نقصد بآليات التكريس الثقافي -والمفهوم من نحت الناقد والروائي المغربي محمد برادة- كل المؤسسات والفعاليات التي تتدخل في صناعة السياسة الثقافية وتنفيدها دعما لتوجهات معينة، وانتصارا لخيارات ثقافية دون أخرى، حسب رؤية معينة وانسجاما مع التوجهات السياسية والاستراتيجية العامة لفترة من الفترات.. (وزارة الثقافة، والإعلام، والمدرسة، وجميعات المجتمع المدني…)

ونعتقد أن آليات التكريس الثقافي القائمة حاليا، تعرف خللا فظيعا، وتسير على غير هدى في أحسن الأحوال، إن لم نقل بأنها تنحو منحاها الحالي عن سبق إصرار وترصّد، بغية نسف ما تبقّى من إمكانيات لنهوض ثقافي جاد، وتُمَالِئُ التوجُّهَ نحو التمكين لثقافة مبتسرة وسطحية مائعة تفسد الأجواء وتسمم التربة اللازمة لبناء الأجيال القادمة بناء ثقافيا متينا يستجيب لمجمل التحديات المقبلة…

فمن العيب والعار مثلا ألا يعرف تلاميذنا وطلبتنا قامات روائية وقصصية وشعرية مغربية رائدة، من العيب والعار ألا يعترف مقررنا الدراسي سوى بأسماء مغربية معدودة، وبعد جهد جهيد من النضال لحيازة الاعتراف…

كان الإعلام فيما سبق قاعدة صلبة لرسم التوجهات الثقافية الجادة مهما كانت صبغتها، وكان مجالا لإشاعة العمق والالتزام، سواء من خلال الأنشطة الحزبية والنقابية التي كان جزء كبير منها مخصصا للثقافة والفن الجادَّيْن.

كما شكّل الإعلام الحزبي رافدا مهما، بل منصات حقيقية للاحتفاء بالثقافة والكتاب، وتثمين أعمال الكتّاب وإشاعة أجواء الفكر الحر، والنقاش الجدي، والسجال المعرفي الحقيقي، فقد شكلت الملاحق الثقافية للجرائد الحزبية مثلا مشتلا حقيقيا للتعريف بالمبدعين والمفكرين والمدارس الأدبية والفعاليات الثقافية الوطنية والعربية والغربية… لكن كل شيء تراجع حتى كاد يضمحل، تراجعت مقروئية تلك الجرائد بانحراف البوصلة السياسية وترهّل الأحزاب نفسها واضمحلال شعاراتها الكبيرة، ثم تراجع الاهتمام بالقراءة والكتاب وثقافتهما..

وتحوّل الاهتمام لنجوم الويب، وفقاعات البوز، وصارت البرامج الإذاعية والتلفزية تفضل استضافة “مغنيي” آخر تراند، على استضافة مفكرين وشعراء أو فنانين وروائيين، ليبقى بالكاد برنامج ثقافي يتيم في كل قناة تقريبا، يصارع زحمة ثقافة التسطيح وموجات التتفيه، ولا ينال إلا ما تبقى من وقت التغطية بعد أن ينام الجميع…

طالع أيضا  الثقافة والفنون بين أسئلة التصور وإكراهات الممارسة.. ندوة نظمتها الهيئة الوطنية للثقافة والفنون

حتى إذا لم يتبقّ إلا المعرض الدولي للكتاب نافذة للتعريف بالكتاب المغاربة وكتاباتهم، لم نكد نتجاوز نفس المقاربة العشائرية التي تحتفظ للبعض بمقعد ثابت، وتدّبر للموالين الجدد بعض المنافد لكي يؤثثوا البلاطو بنفس النكهة ونفس الإخراج ونفس النتائج الهزيلة..

ولا زلنا ننتظر أن ينهض اتحاد الكتاب من كبوته ويستفيق من إغماءاته الخطيرة، لينظر ماذا بإمكانه أن يفعل وقد فرّ الإعلام صوب أشباه الفنانين، وسارع للتغزل ببعض الأورام الاجتماعية الجديدة التي تسابق الزمن على عدد المشاهدات في اليوتوب…

إن العناية بالكِتَاب المغربي والكاتِب المغربي يجب أن تشكل رهانا حكوميا ثابتا، وأولوية ذات بعد استراتيجي، إسهاما في تشكيل العقول وسباقا نحو صناعة القيم، وبناء الشخصية الوطنية المتجذّرة في تربتها والمعتزة بفكرها وإبداعها..

ألسنا نصرخ في كل وقت وحين معبرين عن الحاجة إلى عقولٍ ناقدة ممحصة، وقدرةٍ على استيعاب الآخر، وقبولٍ للاختلاف، وإقبالٍ على الحياة، وامتلاكٍ للقدرة على الإبداع؟!

وكيف يمكننا ذلك بدون تربية على القراءة، وتشجيع للكتاب، وتقدير لصناع القراءة والكتاب؟ كيف يمكننا ذلك ونحن نزدري كُتّابنا ولا نقوم بأية خطوة لتشجيعهم، ولا نثمّن جهودهم ونقدّر عطاءهم؟

كيف يمكننا ذلك، وسياستنا الثقافية لا زالت قاصرة عن استيعاب أهمية الفعل الثقافي الجاد، والثورة الثقافية المطلوبة لإحداث المنعطف الحضاري اللازم، ومنشغلة بتدبير الموجود في حدود المساحة الصغيرة المتاحة في السياسة والميزانية؟

ليس بمثل هذا الوضع سنواجه المستقبل، ليس بصم الآذان عن أجراس الإنذار نتخطّى أوضاع السوء.

بحاجة نحن لاستراتيجية ثقافية جد طموحة، لا ترتهن لإكراهات المدى السياسي القصير، بل تضع نصب عينها الأجيال المقبلة التي ستنكرنا وتلعننا عمّا قريب، إن بقينا مكتوفي الأيدي مكتفين بِلِياكَة الأماني المعسولة في قاعة الانتظار.

وبطبيعة الحال، الكرة أيضا في مرمى الكتاب الذين يرضون بالتهميش، ويغلقون عليهم منافذ التعلم من باقي الأمم، ويستنكفون عن الإبداع أيضا في مقاومة “سياسة تجفيف المعنى” التي ترصد لها بعض الجهات أموالا سخية وأجهزة وأبواق دعاية.

طالع أيضا  ثقافة وفن يبعثان القيم ويحفظان هوية الأمة.. شعار المنتدى السنوي لهيئة الثقافة والفنون بالبيضاء

الكرة في مرمى كل فرد، ماذا فعل لمقاومة الكساد الزاحف، وماذا فعل من أجل “تكثيل” المثقفين والمبدعين للنهوض من جديد؟

أما الذين يكتبون لأنفسهم فقط، ويتخذون الكتابة وسيلة تسلية، ويرضون أن يكونوا مجرّد إكسسوار في مائدة السراب، فلا كلام معهم.

عبد القادر الدحمني

سوق أربعاء الغرب

في: 09/ 11/ 2020.