في شريط جديد بثته قناة بصائر الإلكترونية تحدث الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله عن حسن الظن بالله وكذا الظن الآثم، مبرزاً أهمية الانتباه لتأثيرات ذلك على المؤمن وسلوكه. شارحاً كيف نفهم الحث على حسن الظن والتنبيه على ضرورة سوء الظن.

وفي المجلس الذي انعقد يوم الأحد 29 شعبان 1424هـ الموافق لـ 26 أكتوبر 2003م، أورد الإمام من كتاب الله قوله عز وجل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ” قائلاً إنه إذا كان بعض الظن إثما فإن مساحات من الظن فيها ما ليس إثما، بل فيها من الظن المحبوب والواجب والمكروه. والظن الواجب على المؤمن والمؤمنة حسن الظن بالله، وهو فريضة لمن يبتغي النجاة عند الله تعالى. وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حسنُ الظَّنِّ مِن حُسنِ العبادةِ“.

ويضيف الإمام أن من الظن الآثم ظن الكافرين بالله، الظانين به عز وجل ظن الجاهلين، فهم بين جحود في وجود خالق لهذا الكون وبين مشرك يعبد آلهة من دون الله سبحانه. أولئك الذين توعدهم ربنا عز وجل بالعذاب المقيم: “وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا“. ومن الظن الآثم أيضاً أن تظن بإخوانك من المسلمين والناس ظن السوء دون تثبت من الأمر، وأن تظن بزوجك شراً دون أن تتبين، فتحجب الوساوس حقائق ما غاب عنك. وهل للشيطان من عمل أخص من الوسوسة بين المرء وزوجه؟ وهل له من شغل مقدم على أن يفسد عليهما الثقة وهي جوهر الحياة الزوجية؟

ويذكر الإمام المجدد بالمثل الذي ضربه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم مثلا للمؤمن والمؤمنة بقوله: “مثلُ المؤمنِ مثلُ النحلةِ، إن أكلتْ أكَلَت طيبًا، وإنْ وضعتْ وَضَعتْ طيبًا، وإنْ وقعتْ على عودٍ نخرٍ لم تكسرْهُ، ومثلُ المؤمنِ مثلُ سبيكةِ الذهبِ، إنْ نَفختَ عليها احمرتْ، وإن وُزنَتْ لَمْ تنقصْ“.

طالع أيضا  المؤمنات وأم القضايا

ويضيف المتحدث شارحاً أن المؤمن كالنحلة في خفة ظله ولطف معشره وحسن تأتيه للأمور، فهو سليم الطوية لا يظن بالناس إلا خيرا. وهو إلى ذلك سيئ الظن بنفسه متهم لها بالتقصير في جنب الله والجهل في معاملة خلقه بالحسنى. فلا يأمن مكر نفسه به ويستعيذ بالله من كل حول وقوة، ولنا في حبيبنا صلى الله عليه وسلم الأسوة الكاملة في ذلك، وانظر -أسعدك الله- قوله مناجيا ربه عز وجل: “يا حيُّ يا قيومُ برحمتِك أستغيثُ أصلِحْ لي شأني كلَّه، ولا تكِلْني إلى نفسِي طرفةَ عينٍ ولا إلى أحدٍ من الناسِ“.

ودعى الإمام لأن نناجي الله تعالى ونسأله العطاء فضلا منه وكرما، لا جزاء ما عملنا وما قدمنا من عبادات على ما يشوبها من النقص وحظوظ النفس. وإن الله عز وجل ليبتلينا بالسراء والضراء ليطهرنا ويذهب عنا ما يعلق بقلوبنا كما تصقل سبيكة الذهب لتصفو، يمتحننا بصنوف الأمراض والمصائب لنلوذ برحمته ونتذلل بين يديه سبحانه. نعوذ بالله من “جَهْدِ البلاءِ ودركِ الشقاءِ وشماتةِ الأعداءِ“.

نكون بهاليل” يقول الإمام إن نحن أحسنّا الظن بكل الناس وفهمنا المقصود الإلهي على غير معناه، فلا نكون أغرارا في تعاملنا مع من يكيدون لنا ويريدون المكر بالمسلمين. مصداقا لقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لستُ بالخَبِّ، ولا الخَبُّ يَخدعُني“، وكذلك قول سيدنا علي كرم الله وجهه: “الحزمُ سوءُ الظنِّ“. فكيف نفهم الحث على حسن الظن والتنبيه على ضرورة سوء الظن؟ ينبغي أن نضع الأمور في مناصبها، فلكل مقام مقال ولكل حادثة حديث. فقد أخرج ابن حبان والبيهقي والطبراني رحمهم الله قول النبي صلى الله عليه وسلم: “مُداراةُ النَّاسِ صدقةٌ“. فعلى المؤمن أن يُلاين الناسَ فلا يسيئ الظن بهم ولا يحسنه، بل يقدر لكل موقف قدره ومتطلباته.

طالع أيضا  أضواء على الطاعة والشورى في فكر الإمام عبد السلام ياسين

ويتساءل الإمام قائلاً: “كيف نصنع ونحن نرى ما يحيط بنا من ظلام وقد ساءت أخلاق الناس وأقبلوا على موارد الضلال وموائد البهتان والضحك على الأذقان؟” مجيباً بقوله: في الناس الخبيث والطيب، والحمد لله أن هيأ لنا سبل الإصلاح في الناس بالكلمة الطيبة ولين المنطق. فنضيء مصابيح الخير في كل موطن حتى يأذن الله بصلاح الدنيا وأهلها، ونعلم الناس دينهم بالتي هي أحسن، ونشكر الله على أن هدانا سبله بالدعوة إليه والاقتداء بحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم.