بقلم: عبد اللطيف البرشيلي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على السراج المنير والرحمة المهداة للعالمين محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين ثم الرضوان على من تفانى في محبته وسار على نهجه واهتدى بهديه الى يوم الدين.

قال أبو سفيان وهو على كفره يشهد مقتل أحد أصحاب رسول الله: “ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا”.

فما هو السر في محبة الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحب العظيم الذي حير المشركين؟

أحبوه لأنهم سمعوه يقول مما صح عنه من حديث أنس رضي الله عنه: “والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين” متفق عليه.

وسمعوه يقول من حديث أنس رضي الله عنه كذلك المتفق عليه: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان…” أولها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

ووصلهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن إيمانه لن يكتمل حتى يكون الرسول أحب إليه من نفسه.

أحبوه لصدقه وأمانته ولعظيم أخلاقه وجميل شمائله وحسن سيرته…

أحبوه لحرصه ورحمته ورأفته وعطفه بهم وبالناس كافة…

أحبوه لما رأوا الحصى والحجر يسلم عليه، والجذع يحن إليه، والجمل يشكو له، والحصى يسبح بين أنامله، والماء ينبع من بين أصابعه…

أحبوه لأنه امرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث ووضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم، فعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل عليه.

 فما هي الشواهد على محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟

 إنها لا تكاد تحصى، فقد ظهرت جلية واضحة في مواقف كثيرة ومواطن عديدة، وقد كانت أجلى وأوضح في الأوقات العصيبة أذكر منها غزوة أحد، لما خالف الرماة أمر رسول الله ودارت الدائرة على المؤمنين.

طالع أيضا  أولى بالمؤمنين من أنفسهم

يروي ابن هشام في السيرة عن ابن اسحاق وهو يصف المشهد يوم أحد: “وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَأَصَابَ فِيهِمْ الْعَدُوَّ، وَكَانَ يَوْمَ بَلَاءٍ وَتَمْحِيصٍ، أَكْرَمَ اللَّهُ فِيهِ مَنْ أَكْرَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّهَادَةِ، حَتَّى خَلَصَ الْعَدُوُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَدُثَّ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى وَقَعَ لِشِقِّهِ، فَأُصِيبَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ، وَكُلِمَتْ [جرحت] شَفَتُهُ، وَكَانَ الَّذِي أَصَابَهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ.

قال ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: “كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى رَبِّهِمْ!”.

هنا برزت محبة الصحابة الكرام للجناب الشريف بعد اضطراب عظيم في جيش المسلمين، وإيذاء المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حينها تسارع الصحابة يحمون الرسول الكريم ويفدونه بأرواحهم، وقد ضرب أروع الأمثلة مجموعة من الصحابة، الأجلاء أمثال طلحة بن عبيد الله وعلي بن ابي طالب، ومالك بن سنان و أبي طلحة الأنصاري وأبي عبيدة بن الجراح، وزياد بن السكن وأم عمارة وأبي دجانة وابن أبي وقاص وقتادة بن النعمان، وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وغيرهم.

يحكي ابن هشام بتصرف، أنه لما فعل المشركون ما فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع في حفرة من الحفر التي حفروها ليقع فيها المسلمون، جاء عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَفَعَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَتَّى اسْتَوَى قَائِمًا، وَمَصَّ مَالِكُ بْنُ سِنَانٍ، الدَّمَّ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ازْدَرَدَهُ (إي ابتلعه)، ونزع أبو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ حَلْقَتَيْ المغفر اللتين دخلتا في وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بثَنِيَّتيه حتى سقطتا.

طالع أيضا  نساء العدل والإحسان يحتفين برسول الله صلى الله عليه وسلم في ندوة عن بعد

وأما عن بسالة أَبِي دُجَانَةَ وَابْن أَبِي وَقَّاصٍ وهما يَدْفَعَانِ عَنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: “وَتَرَّسَ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو دُجَانَةَ بِنَفْسِهِ، يَقَعُ النَّبْلُ فِي ظَهْرِهِ، وَهُوَ مُنْحَنٍ عَلَيْهِ، حَتَّى كَثُرَ فِيهِ النَّبْلُ. وَرَمَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ سَعْدٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُنَاوِلُنِي النَّبْلَ وَهُوَ يَقُولُ: ارْمِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي…”.

ويروي ابنُ هِشامٍ بعد انتهاء المعركة أن “سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ قال: مرَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بامرأة من بني دينار وقت أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أُحُد، فلما نُعوا لها قالت: ما فعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، قال: فأشير لها حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جَلل (صغيرة)”.

ما حدث مِن الصحابة ونسائهم في غزوة أحد، غيض من فيض ما تُكِنُّه قلوبهم مِن عظيم محبتهم وتوقيرهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم، واستعدادهم لبذل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله، حبا لرسول الله وامتثالا لأوامره، وقد عبَّر عن هذا علي ـ كرم الله وجهه ـ لما سُئِل: “كيف كان حبكم لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا، وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ “.أورد هذا الكلام صاحب الشفا في باب لزوم محبته صلى الله عليه وسلم.

وعبَّر كذلك زَيدُ بن الدّثِنَّة ـ رضي اللهُ عنه ـ عن مدى هذا الحب الشديد للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حسب ما جاء في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق: “لمَّا اجتَمَعَ رَهطٌ مِن قُرَيشٍ لقتله… وقال له أبو سفيان حِينَ قدِّمَ لِيُقتَل: أَنشُدُكَ بِاللهِ يَا زَيد، أَتُحِبُّ أَنَّ محمدًا الآنَ عِندَنَا مَكَانَكَ نَضرِب عُنُقَهُ وَأَنَّكَ في أَهلِكَ؟، قال: والله ما أُحِبُّ أَنَّ محمداً الآنَ في مكانه الذي هو فيه تُصِيبُهُ شَوكَةٌ تُؤذِيهِ وَأني جالسٌ في أَهلي!!”، فقال أَبو سفيان قولته الشهيرة: “مَا رَأَيتُ مِنَ الناسِ أَحداً يُحِبُّ أَحَداً كَحُبِّ أَصحَابِ محمدٍ محمداً”.

طالع أيضا  فضل محبة النبي صلى الله عليه وسلم وثوابها

جعلنا الله تعالى من إخوان رسول الله الذين اشتاق لرؤيتهم، والذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «مِن أشدِّ أمتي لي حباً، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله»، ختم الله لنا بالحسنى وزيادة، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

المراجع من المكتبة الشاملة الالكترونية: سيرة ابن هشام، سير أعلام النبلاء، الشفا في تعريف حقوق المصطفى