مفارقات عجيبة وغريبة وأنا أتابع أطوار الانتخابات الامريكية، ففي ظرف 200 سنة تعاقب على الولايات المتحدة الأمريكية 46 رئيسا لأكبر دولة في العالم بواسطة انتخابات حرة وديمقراطية، في الوقت الذي نجد 22 دولة عربية قد غيرت رؤساءها بمعدل أربع مرات طيلة نفس المدة بواسطة انتخاباتها المعروفة ب99,99% للقائد الملهم أو بالتوريث القهري الدستوري، حتى أن الحاكم في هذه الدول يحكم أجيالا وأجيالا، بمعنى أنه هو من يغير الشعب الذي يحكمه وليس العكس.

الغريب في الأمر أن من بين دعامات ودواعي التداول على السلطة في الأنظمة الديمقراطية هو الحفاظ على الاستقرار وتماسك النسيج المجتمعي والتطور والازدهار، على عكس الأنظمة العربية التي تستمد شرعيتها في تخيير الشعوب بين الاستقرار عبر القبول والسكوت على الحاكم المستبد والديكتاتور أو الفوضى والحرب الأهلية، كل ذلك في ظل التخلف والفقر والجهل. لدرجة أن المواطن العربي “العياش” يؤمن إلى حد الاقتناع بأن هذه الشعوب لا تصلح لها الديمقراطية وأن ضامن الأمن والاستقرار هو هؤلاء النماذج من الحكام الذين يتكرمون علينا ويقبلون أن يحكموننا تطوعا وقدرا.

ليس هذا فقط، فإنه في الدول المتقدمة وكما تملك الشعوب نعمة “اختيار الحاكم”، فإنها تملك كذلك نعمة “محاسبته” بل ومحاكمته وعزله إن اقتضى الأمر، في مقابل شعوبنا التي لا تملك سوى التصفيق والتهليل للسياسات الرشيدة والحكيمة ولو كانت تنتج الفقر والفساد والتخلف، فيا لها من نعمة وأعطية تصل إلى حد منح هذه الشعوب كل شيء حتى دساتيرها التي تلتزم بقبولها والموافقة عليها!

وبالتالي يبقى حق هذه الشعوب في حرية اختيار من يحكمها مطلبا غريبا وغير مقبول ونعمة مفقودة، بل إن من يطالب أو يحلم على الأقل بهذا الحق يكون مصدرا للفتنة وعدميا ورديكاليا، وجب محاربته وحصاره وشيطنته وتشويهه بكل الوسائل والدسائس حتى يظهر أنه يشكل الاستثناء والنشاز ويهدد مصلحة الوطن ويتهم بالخيانة، وليس القاعدة كما هو الأمر عند الدول الديمقراطية التي تعيش “نعمة” تغيير رؤسائها في كل وقت وحين بإذن شعوبها.

طالع أيضا  صناعة الاستثناء: أو إعادة تشكيل المستقبل!