بقلم: إبراهيم أخساي       

وأنا أطالع وقائع السيرة النبوية العطرة، المليئة بالوقائع والأحداث التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم طوال فترة دعوته، وكلها أحداث غنية بالدروس والعبر، استوقفني حدث عفوه عن المشركين بعد فتح مكة.

في السنة الثامنة من الهجرة وقعت غزوة فتح مكة، بعد أن نقضت قريش معاهدة صلح الحديبية التي أبرمت بين المسلمين والمشركين في السنة السادسة من الهجرة، والتي تقضي بعقد هدنة بين الطرفين مدتها عشر سنين. لكن قريشا نقضت هذا العهد في السنة الثامنة، أي بعد سنتين تقريبا من إبرامه، فكان نتيجة هذا الغدر والنقض أن جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشا لفتح مكة تعداده عشرة آلاف مقاتل، وبالفعل سار إلى مكة ودخلها منتصرا خاشعا.

انهزم المشركون ودخل النبي عليه السلام مكة، وبعد أن صلى في الكعبة قام يخطب أمام قريش فقال: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.. يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية:  يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر أنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير 1، ثم قال “يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: “فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته (لا تثريب عليكم اليوم) اذهبوا فأنتم الطلقاء” 2.

“اذهبوا فأنتم الطلقاء”، كلمة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، أو أن تطوى في وسط الأحداث الكثيرة والمهمة التي تزخر بها السيرة النبوية العطرة، فهي فاتحة لعهد جديد، عهد الفتح والتمكين وانتصار الدعوة الإسلامية، فلا يمكن لهذا العهد الجديد إلا أن يبدأ بالعفو الشامل عن خصوم الأمس الذين كانوا يناوشون الدعوة ويحاربونها ويعادونها. فالعفو والصفح من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم التي تقف عشرات المواقف شاهدة عليها وأهمها عفوه بعد فتحه لمكة عن المشركين .

طالع أيضا  السراج المنير: عنوان ندوة تنظمها الهيئة العلمية للجماعة اليوم الأربعاء

هذا العفو عن أعداء الأمس ليس انتصارا عسكريا فقط، بل هو انتصار للأخلاق النبوية، وإظهار لمكارم الأخلاق في لحظة تاريخية مفصلية تتغيى بناء أخلاقيا وعقديا جديدا، يقطع مع  أخلاق الجاهلية وتكبرها وكفرها. وكأن هذا البناء الجديد لا يقوم صرحه إلا على هذه الأخلاق العظيمة التي ستغير المجتمع وتؤلف بين النفوس، وتعلن عن بداية تاريخ جديد للإنسانية.

فهذا العفو النبوي ليس حدثا عاديا عابرا، فبالنظر إلى الظروف التي وقع فيها بانتصار المسلمين ودخولهم الى مكة وهزيمة المشركين، فهو يعتبر لبنة في بناء مجتمع جديد بقيم جديدة، فالأمة بالمفهوم الإسلامي لا تقوم على عنصري الأرض والإنسان فقط بل لابد من عناصر أخرى يجمعها الإيمان والأخلاق والقيم.

ومن الأكيد، أن لهذا الحدث أبعاد تربوية، وسلوكية، وسياسية، ودعوية، أبعاد تغوص في أعماق النفس البشرية لتنتشلها من مخالب الثأر والكبر والفخر والحسد والطمع في ملذات الدنيا من مال وجاه ورئاسة، ولتربيها وتزكيها وتوطنها على مكارم الأخلاق، وترصع تاج الانتصار الميداني والعسكري بجواهر القيم والأخلاق والمعاملة الحسنة كالعفو والرفق والحلم والصبر وكظم الغيظ.

بعد عشرين سنة من العداء والقتل والتفنن في أساليب مواجهة الدعوة الإسلامية، والمكر والخديعة والتحالف مع الأعداء وإثارة الأحقاد وتهييج النفوس ضد المسلمين، وشن ثلاث حروب في محاولة لاجتثاث الدعوة النبوية والقضاء عليها، بعد كل هذا، يأتي هذا العفو النبوي ليصحح مسار التغيير ويعدل اتجاه حركة المجتمع إلى طريق البناء والتشييد، ويعطي المثال والقدوة للبشرية جمعاء على مكانة الأخلاق في بناء مجتمع العمران الأخوي.

إنها أخلاق العفو والصفح والرفق والتسامح بعد القدرة والقوة، تشرق في سماء قريش بعد ظلام العنف والعداء والجهل، لتنير القلوب والعقول وتذيب الأحقاد والضغائن. فيتحول أعداء الأمس إلى إخوة مؤمنين صالحين. وقد بين الله تعالى هذه الأخلاق في قوله تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين 3.

إن أخلاق النبوة أشد أثرا في نفوس الأعداء والخصوم، فهي تحدث زلزالا في نفوسهم التي ألفت الحقد والعداء والانتقام، وتدفعهم إلى إعادة التفكير في أفكارهم وعقائدهم، ولا ننس بأن الغرب مازال يذكر صلاح الدين الأيوبي الذي سبب لهم صدمة نفسية وأذهل مؤرخيهم، لا لأنه انتصر عليهم في الحروب الصليبية فقط، بل لأنه عاملهم بقيم العفو والتسامح، وسمح لهم بمغادرة مدينة القدس عندما دخلها في سنة 1187م دون أن يقتلهم عكس ما فعلوه عندما دخلوها سنة 1099م، فقتلوا كل من يصادفون من الرجال والنساء والأطفال؛ مجزرة فظيعة يذكرها التاريخ تعبر عن الحقد والعنف الذي يعشش في نفوس الصليبيين، وعفو شامل يستمد أصوله من شجرة الأخلاق النبوية.

طالع أيضا  بارشي: كيف نحتفل بمولد الرسول الكريم؟

في زماننا اليوم حيث تهيمن الحضارة الغربية بقيمها المادية والنفعية وتنشر بعض ساستها وسياستها الخراب رغم تقدمها الصناعي والعلمي، وتطمس فطرة الناس بحواجز فكرية وشهوانية تحول بينهم وبين معرفة الله تعالى، ما أحوج البشرية إلى الأخلاق النبوية، وما أحوج المسلمين إلى اقتفاء أثر النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم في سلوكه ومعاملاته وأخلاقه وجهاده، في حركتهم التجديدية لإحياء الأمة، ليرتفعوا إلى مستوى قيادة العالم وبناء مجتمع العمران الأخوي.


[1] سورة الحجرات آية 13
[2] صفي الرحمان المباركفوري: الرحيق المختوم، طبعة 2006، ص 484.
[3] سورة آل عمران آية 159.