الفصل الثالث (1989-2000م): عشر سنوات من الحصار: المعاناة والأرباح

قبل فرض الإقامة الإجبارية كان يمكن الحديث ولو نسبيا عن “رجل منفرد”، عبد السلام ياسين الداعية أو المفكر أو المعارض السياسي، رمز بلا جماعة، غير أنه ابتداء من سجن لعلو ومرورا بفترة الحصار لا يمكن أن نعزل الإمام عن الجماعة التي تأتمُّ به، حيث كان فعله في الميدان هو بناء الجماعة بمؤسساتها، وتربية رجالها ونسائها وشبابها وتنظيمهم، حيث يمكننا القول بأنه وقع التحول من عبد السلام ياسين الفكرة إلى عبد السلام ياسين الواقع، فلا جماعة بلا إمام ولا إمام بلا جماعة. ولقد جاء الحصار كرد فعل عنيف من طرف السلطة السياسية على انتشار فكر الرجل في جميع الأوساط، وفي وقت وجيز. وحتى في الحصار كان يتابع عمل مؤسسات الجماعة واجتهادات لجانها وأعضائها، إذ الإسلام في تصوره هو دين الجماعة، وليس مجرد نزعة فردية ومسألة شخصية.

بعد أربع سنوات فقط من الخروج من سجن لعلو، ولم يكن اسم الجماعة (العدل والإحسان) آنذاك مذكورا، إذ لم تقترح التسمية ويتم التوافق عليها إلا سنة 1987م، بعدما كتب الأستاذ رسالة في موضوع التسمية الجديد، سُميت برسالة “العدل والإحسان، كان قد وجهها إلى أعضاء الجماعة ولعامة المؤمنين والمؤمنات في ذي الحجة عام 1407ه/يوليوز 1987. وما أن أصدر الأستاذ الكتب الثلاثة التي ألفها في ذلك السجن، وأنهى محاضرات “مجالس العدل الإحسان” التي بسط فيها كليات المشروع التربوي والعلمي والفكري الذي يبشر به (وهي إحدى عشر مجلسا)، حتى جددت السلطة حبسه وحكمت عليه أواخر سنة 1989م ومن غير محكمةٍ ولا تُهمة بعقوبة “المنع من الحرية”، حيث فُرض عليه الحصار في بيته، وعدم السماح له نهائيا بمغادرته. وبعد أربعة أشهر (يوم 3 أبريل 1990) تقدمت هيئة دفاع الإمام بشكاية في موضوع الحصار بوصفه عملا تحكميا إلى الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالرباط. لكن دون جدوى.

طالع أيضا  حصادُ السِّنين.. في التجربة السِّجنية للإمام -3-

والحصار طبعا هو سجنٌ من نوع خاص، فإذا كان السجن يمنع السجين من التواصل مع عائلته وأصدقائه، ويدع له التواصل مع أصناف الناس بمستوياتهم وخلفياتهم المختلفة، فالحصار هو حبسُه في مكان ما ومنعه من مغادرته ومنع الناس من زيارته، ومنعه حتى من لقاء السجناء من العلماء والمناضلين والمثقفين، وتبادل الأفكار والتجارب معهم، وهو تماما ما ينطبق على حالة الأستاذ عبد السلام ياسين؛ حصارٌ مشدد بتطويق أمني مكثف للبيت ليلا ونهارا، ومنع الزوار من الدخول ومن الاقتراب ولو كانوا من العائلة والأقربين، وهو عمل تحكمي ماسٌّ بالحريات الشخصية، ويقع خارج القانون من طبيعة الحال، لأنه صدر عن تعليمات فوق السلطة ولم يصدر عن مؤسسات القضاء.

… تتمة المقال على موقع ياسين نت.