بدا على قسمات وجهه شعور بالفرح والفأل الحسن… نغمات صوته تحدوها رنات موسيقية.

خطواته تمضي مسرعة تجاه بيت صديقه الحميم “فارس” الذي يثق في صحبته، وبُعد نظره، وصدق حديثه الممزوج دائما بالدعابة والحكايات الفنية الجميلة، -فإذا تكلم فأنصت، وإذا أشار فامتثل، وإذا تبسم فاستمتع، فإنه مالك لزمام الفكرة والذوق الرفيع- ليزف له بشرى نجاحه في مباراة ولوج سلك الماستر لاستكمال الدراسات العليا.

استقبله صديقه بابتسامته المعهودة، يهنئه ويداعبه بكلمات تبعث الأمل في النفس، وتحطم قيود الواقع المكبِّلة للإرادة والحرية، تجاذب الصديقان أطراف الحديث ثم افترقا بعد ذلك على أمل اللقاء قريبا إن شاء الله تعالى.

عندما حان موعد الدراسة توجه الطالب “نعيم” إلى الجامعة مستقبلا موسما دراسيا جديدا بكل جد ونشاط. كان أول ما سمعه من أستاذته “نورية” التي يكن لها كل التقدير والاحترام: “هنيئا لكم فأنتم هم النخبة الآن وعليكم المعول لبناء المستقبل”. ثم استرسلت في كلمتها التشجيعية حول قيمة العلم وطلابه، وكانت موفقة في اختيار كلمات المعاني والمباني، لتمرير رسالتها العلمية الجليلة لطلابها الباحثين. نعم إنها بالفعل أستاذة متمكنة من تخصصها في الفكر الإسلامي، فلطالما حاورت الطالب “نعيم” أثناء إنجازه لبحث الإجازة حول موضوع فكري، اختاره تحت عنوان “التغيير الاجتماعي في التصور الإسلامي”، إذ كان نظرها ثاقبا، وتقرأ ما وراء السطور. أتذكر يوما ملاحظتها عن المراجع المعتمدة في البحث قائلة: أراك اعتمدت كثيرا على كتب السيد النوري.

أجبتها على الفور “لأنه هو المجدد في الباب (التربية والتغيير).

قالت بكل ثقة وثبات: “نعم هو كذلك، لكن أخشى أن يخذله أتباعه، أما فكره فلا ولن يموت أبدا” ثم عرجت عن الموضوع مبحرة في جواهر العلم ولآلئ الفكر.

لقد قُدر لـ “نعيم” أن يعود مرة أخرى إلى أحضان الجامعة، ويستمر في اكتشاف أسرار العلم وأذواقه، في تخصص أحبه كثيرا، إنه: “المناظرات الدينية وأساليب الحجاج “. لكن هذه المرة بنكهة خاصة حيث الجمع بين العمل المعاشي والتحصيل العلمي. كان آنذاك يعمل في جمعية مهنية رفيعة المستوى في تقديم الخدمات الإنسانية وتأهيل الشباب خصوصا. حاول أن يفرض نفسه على إدارة الجمعية كطالب باحث، ليُفرغ يومين في نهاية الأسبوع بقصد السفر لمتابعة الدراسة. لكن بعد أشهر فقط ضاق الأمر بأهله، فنادى رئيس الجمعية على بعض الموظفين لاجتماع طارئ موضوعه إعادة النظر في غياب السيد “نعيم” ومحاولة إيجاد من يعوض وظيفته. افتتح السيد الرئيس الاجتماع وأعطى الكلمة للسيد الكاتب العام الذي فاجأ “نعيم” والحاضرين أجمعين بقرار يخيره فيه بين الدراسة أو العمل!! -وبما أنه لم يكن يتوقع هذا، قال له للتو “لقد أُصِبتُ بالدهشة الفلسفية”، قهقه الجميع لتعبير “الدهشة”، ثم حاول السيد “عابد” (مدير المركز) إقناع لجنة الجمعية بإمكانية استمرار السيد “نعيم” في دراسته، والإدارة هي التي تعوضه حين غيابه، لكن دون جدوى. سكت الجميع وخيم صمت الحيرة على القاعة في انتظار قرار الفصل.

سافر “نعيم” بذاكرته ليوازن بين وضعه المادي المزري ومدى انعكاساته في حالة ما إذا اختار طريق العلم واستكمال الدراسة، فلما عاد على الفور نظر في وجوه الحاضرين وهتف قائلا -والحزن يملأ صدره والأمل يغمر وجهه-: “سأكمل المشوار الذي بدأته في طريق العلم والله المستعان”.

يتبع…