الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وعلى الآل والصحب ومن والاه.

وبعد

يقول ربنا عز وجل في سورة النمل:

وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) 1.

في موكب عظيم منظم، وحشد عسكري عرمرم، وهالة ملكية رهيبة خرج سيدنا سليمان عليه السلام. جيش لا مثيل له في الأعداد، ولا نظير له في التنظيم والعتاد، جيش من مختلف الأجناس، جنّ وطير وأناس، صفوف غاية في التنظيم، على كل صفّ وازع يزع من تقدم منهم فيرده. ويقوم بجمع أول الكتيبة على آخرها حتى لا تتفرق وتشيع فيها الفوضى. حشد لم يُر قبله ولا بعده مثله، فهو مكوّن من فيالق لا سبيل لجمعها إلا أن يأمرها من جُنده لا يُعدّ، ويسخّرها من أمره لا يُردّ. في المقدمة كتيبة الجنُّ، ثم بعدها كتيبة الإنس، ثم كتيبة الطير، وفي ذكر هذه الأصناف الثلاثة غنى عن ذكر غيرها، وغنى عن وصف قوة هذا الجيش وسطوته. هل جاءوا على متن الرياح – وكانت هي كذلك تحت إمرة سيدنا سليمان عليه السلام تحمله وجنوده حيث شاء-، أم أتوا على صهوات الجياد…؟ هذا لا يزيد في القصة شيئا. لكنهم –حتما- لما اقتربوا من واد النمل كانوا على الأرض، وجيش بتلك الأعداد، وبذلك التنظيم في الحركة والسير، لا شك كان يهزّ الأرض هزّا. لذلك خافت نملة على قومها.

خاض المفسرون في جنس تلك النملة، فقال بعضهم هي ذكر وقال آخرون هي أنثى، وأسالوا الكثير من المداد في ذكر اسمها واسم قبيلتها وصفتها وكونها ملكة النمل أو شغالة من الشغالات، دعنا من كل هذا.

طالع أيضا  في تدبر القرآن الكريم.. كيف تموت القلوب؟

المهم هو أن نملة – وجاءت هكذا نكرة- سارعت إلى إخبار بني جنسها، إذا كانت هذه النملة هي الملكة – وليس هناك ما يثبت ذلك- فما فعلت هو أوجب واجباتها وأعظم مسؤولياتها، «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ…» 2. وإن كانت من نمل الحراسة فتلك وظيفتها. «إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ…» 3. أما إن كانت من عامة أمّة النمل، فما فعلته يدل على صفاء سريرتها، ونقاء فطرتها، ونفاسة جوهرها.

وكونها من عامة الشعب أبلغُ درسا، وأكملُ عظة، ورضي الله عن أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب كان يقول في شروط من يختارهم ولاة وعمالا على الأقاليم: “أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإن كان أميرهم كان كأنه رجل منهم”.

إنها نملة من عامة الشعب، لكنها تملك حسّ المسؤولية، وتتصرف كأنها الأمير أو الملك، إنها نملة تخلت عن بشاعة “أنا” وتحلّت بجمال “نحن”. واسمع معي خلجات صدرها ودقات قلبها المتسارعة من شدة خوفها على قومها، وإشفاقها على أمتها، اسمع معي -يا أُخي- بحّة صوتها وهي تصيح بكل ما أوتيت من قوة تقول لهم “ادخلوا” اسمعي معي -يا اختاه- نداءها المفعم حبّا وشفقة على بني وطنها «يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ»، وانظر يا أخي كيف أخذت المبادرة، وكيف تعاملت بإيجابية مع الحدث. ولم تقل ما شأني بهم، أهرب أنا وأنجو، وليصبْهم ما يصيبهم.

«مَسَاكِنَكُمْ»، يا سعدك أيها النمل فقد كانت لك مساكن وبيوت، كثير من بني قومي لا مساكن لهم ولا بيوت، كثير من بني أمتي يفترشون الغبراء ويلتحفون السماء، كثير من بني جلدتي يبيتون في العراء.

طالع أيضا  تأملات في آيات الدعاء مع الدكتور عمر الصوصي

وهنيئا لكِ – يا أمة النمل- فقد سمع ملك زمانكم صوت نملتكم المستغيثة الصائحة خوفا أن يقتل بنو قومها تحطّما تحت حوافر الخيل وأقدام الجيش العظيم دون قصد. كم من صيحات تطلق يوميا من أوطان أمتي تسترحم طاغية أن لا يهدم كوخا بُني بعرق الجبين على مدى عشرات السنين!

 كم من أنّات مرفوقة بالصور تجوب العالم بأسره فلا تجد “سليمانا” يسمع ويرحم!

كم، وكم، وكم، لا حدود للألم، فدع – يا نمل- جرح قلبي ينزف، واترك نملتي تصيح لعلّ “سليمان” يسمعها أو من يقيمه الله مقام “سليمان”.

أ تعرفون ما فعل سليمان عليه السلام…؟

تَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا، تواضع مَلِكٌ أخضع الله له الجنّ، وسخرّ له الريح والطير، وعلّمه لغة الحيوان والحشرات، تواضع سلطان آتاه الله ملكا ما ينبغي لأحد من بعده. وأنصت في خشوع لتلك الصيحة النكرة في عالم الإنسان، القوية والمنذرة في عالم النمل، وفهم فتبسّم، تبسم ضاحكا لما أنعم الله به عليه حتى أدرك ما لا يدركه الناس، وسمع ما لا يسمعون، وفهم ما لا يفهمون، وتبسم ضاحكا لتبرئة النملة إياه من تهمة الإيذاء العمد، وإرادة القتل عن قصد، وإلحاق الضرر بشعبها الصغير مع سبق الإصرار والترصد. لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.

وحوّل الملك العظيمُ سيدنا سليمانُ –عليه السلام- طريق جيشه الكبير، وأمر جنوده أن ينعطفوا تاركين النمل ومساكنه في أمان. نعم، نعم، حوّل طريق الجيش شفقة على النمل، إنه الإحسان. الإحسان الذي أوجبه الله على كلّ شيء، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أنّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “قَرَصَت نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، أَفِي أَنْ قَرْصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّح؟ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً!” 4. ربٌّ يعاتب نبيه على قتل النمل، ما تظنونه فاعلا بطغاة بغاة يقتلون شعوبا ويبيدون ملايين الناس؟

طالع أيضا  "آيات ومعاني" تسمو بالمُشاهد في أسرار "الكلمة الطيبة"

يا نفس اتقي الله، وانعطفي لئلا تحطمي قلوبا، أو تقتلي أنفسا. وتبسمي واضحكي واسمعي واصغي، واعلمي أن حبس هرة وتجويعها قد يودي بك إلى النار، وأن سقي كلب من ظمأ قد يدخلك الجنة. فارحمي تُرحمي، ولا تظلمي فتندمي.


[1] سورة النمل آية 17-19.
[2] متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
[3] أخرجه أبو يعلى والطبراني عن امنا عائشة رضي الله عنها.
[4] رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.