لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، معقل الدسيسة على شخصه الكريم والتآمر على الدعوة، واستتب الأمن تحت عفوه ورحمته، كان ثمة، لجهله بماهية الرسالة، من لم يقبل بالوضع الجديد، ظاناً أن أصحابه غُزاة يطمحون للمال والجاه والسيطرة، وهم إنما في شغل وهَمّ بإذنٍ من الرسول الكريم الموحى إليه لإخراج الناس من ضيق الدنيا لسعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

على رأس هؤلاء زينب بنت الحارث. هذه المرأة اليهودية طوت صدرها على الانتقام، فأزمعت باتفاق مع قومها على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكرت المرأة، فلم تجدْ من خيار وهي المهزومة في عُقر الدار سوى تسميمه صلى الله عليه وسلم. فجعلت تسأل قومها عن السُّمّ الزُّعاف، فأجمعوا على سُمّ لهم يعرفونه بالإسم، فعمدت إليه، وجعلتهُ في شاةٍ ذبحتها وطبختها وتبَّلَتْها لهذا الغرض، وأكثرتْ من السم في الذراعين بعدما علمت حبَّ محمد لهما، ثم ذهبت إليه بوجهٍ ظاهِرُهُ الفرَح وباطِنُهُ الفتكُ، وقدَّمتْ له الشاة هديةً، ثم أدبرت. فتناول منها النبي صلى الله عليه وسلم مضغة، وأخذ منها أصحابه الكرام، لكنه لم يُسِغْها، فأخرجها وأمرهم أن يكُفُّوا، وقال لهم: “إن هذا العظم يُخبِرُني أنه مسموم”. ثم استدعى النبي المرأة، فلما وافت سألها مباشرة ووجهه الشريف يتلألأ نورا من الرحمة والإشفاق:

-“ما حملك على ذلك؟”

فأجابت تواً بلا مواربة:

-“أردتُ قتلَك”… “بلغتَ من قومي ما لم يخفَ عليك، فقلتُ: إن كان ملِكاً استرحتُ منه، وإن كان نبِيًّا فسيُخبرُ”.

فقال الصحب الكرام وقد صُدِموا من صفاقة المرأة وسُفور لهجتها:

-“ألا تقتُلها؟”

فردّ الرسول عليه الصلاة والسلام أمام ذهول أصحابه:

-“لا”.

تجاوز عنها الرسول الكريم ولم يمسها بسوء، بل لم يقل لها أي كلمة سوء! 

طالع أيضا  في تفضيله بالمحبة والخلة صلى الله عليه وسلم

من هذه الواقعة المثبتة في السيرة المطهرة مع بعض الاختلاف في الروايات نستنتج شيئين: أولا، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في معاملته لليهود آيةً في الحِلم والتكريم والسماحة، يقبلُ الهديَّةَ منهم، ويحترم عقيدتهم كل الاحترام، ولا يُكرههم إطلاقاً على ما جاء به، ويُسالمهم رغم ما لحِقه منهم من شرورٍ وبغي؛ ثانيا أن اليهود كانوا يعترفون للأنبياء بالمعجزة، مثل معجزة الإخبار من لدن الله عز وجل كما في هذه الحادثة، وهو ما تُظهره عبارةُ: “وإنْ كان نبيا فسيُخبر”.

ونستنتج أمرا ثالثا هو أنه لا ينبغي الاطمئنان للكفر مهما تودّد أهلُه وتقرّبوا، فإنهم لقسوة قلوبهم وتحجُّرهم على ما ألفوه يظلون أصحاب غِل وخديعة. والإنسان عدُوُّ ما يجهلُ. 

لكن الدرس الأكبر في رأيي هو عفوُه صلى الله عليه وسلم عمّن ظلمه ومكر به، وأي ظلم أعظم وأي مكرٍ أفحش من العزم على القتل؟

قد يقرأ هذه الواقعة في زمننا من يجلس على أريكة العافية فلا يستشعر كما يجب سَعة صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن منْ منّ اللهُ عليه بقلب، ووسّع خيالَه، يعرف كما يعرف بالتجربة والمخالطة أن النفس البشرية لا تتسع لهذا، وأن مثل هذا العفو لا يصدر إلا عن نبي، أو عارفٍ بالله من الأقطاب الكُمّل يسير على خطاه ويعض على هَدْيِه بنواجذه.

تجاوز المصطفى صلى الله عليه وسلم عن المرأة بعد أن خاض معركة شرسة لتبليغ كلمة الله تعالى إلى خلقه استُشهد خلالها عشراتٌ من أصحابه رضوانُ الله عليهم. أغضى عنها وهو القائد المنتصر، بين يديه مصيرُها وغَدُ قومها. سامحها دون أن يخشى من أن يدفع آخرين للجراءة عليه، وإعادة محاولة القتل. لكنه رسول الله المجتبى، وحبيبُه المصطفى، الذي جاء بالبشارة والرحمة والعفو والمحبة للناس كافة. 

طالع أيضا  ربيع العمر في الربيع النبوي

يعلمنا الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم بصفحه عمن أرادت قتلَه أن العفو هو الخُلُق، وهو القوة. وهل يعفو من ليس له المقدرة؟ 

يخبرنا النبي الكريم أن الصفح هو الخير، وأن صاحبه له الجزاء الأوفى عند ربه سبحانه وله المغفرة. قال الله تعالى في سورة النور: ولْيَعفوا ولْيَصْفَحُوا، ألا تُحِبون أن يغفر اللّهُ لكم. وقال أيضاً في سورة الشورى: فمن عفا وأصلح فأجرُه على الله. وجاء في سورة آل عمران: وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ

نستشف من الواقعة كذلك أن العفو، فضلا عن كونه تربية للمعفو عنه، مقدمة لإشاعة السلم والاصطلاح على أساس أن الإنسان أخو الإنسان مهما اختلفا، لِنقُلْ بلسان سياسة عصرِنا إنه تعبير رفيع عن إرادة العيش المشترك، ومدخلٌ جميل لبناء الثقة وإشاعة الأمل، وقرار نبيل له كل التأثير على استقرار البلد بعد المخاض، وعلى طمأنينة مواطنيه، والتفافهم حول مستقبله، وانخراطهم في الدفاع عن حوزته. لا يمكن لحُكم جديد يتطلع لبناء نهضَة الشعب والأمة، والفكاك من البؤس والتبعية والتخلف، والتأسيس لحرية الأفراد والجماعات، وجمع التنظيمات المتشاكسة والأصوات المتحاربة على فكرة بانية وباطنه ينطوي على الضغينة. فكرة بانية حانية على قاعدة مناهضة القسر والإكراه، ومعاداة ثقافة الحزب الوحيد وثنائية “حزب الله وحزب الشيطان”. ألا إنّ من يَجمع ويؤلف ويُحبّبُ ويُؤسِّسُ من صفتْ نيتُه، وسلِمت طويّتُه، وتنوّرتْ معارفُه بطاعته لخالقه، وكان للناس مُحبا، وبهم رفيقاً، وعلى مصالحهم وأمنهم حريصا، ولمطامحهم خدوما، وفي مخاطبته وصُحبتهم إياهم صادقا، وقبْل كلّ هذا ومعه وبَعده، عن مظالمهم صفوحا عفُوا، كيفما كانت عقائدهم، وأفكارُهم، وأعرافُهم، وأعراقُهم، وألسِنتُهم. وهكذا كان قدوةُ البشرية، ومُعلّمُها، وإمامُها، وشَفيعُها، محمد رسول الله صلواتُ الله عليه وعلى ذريته وأهله وصحبه أجمعين.

طالع أيضا  تالاليت ن تيفاوت - ميلاد النور (فيديو)