من المشاهد العذبة التي استوقفتني في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، كيف أنه صلى الله عليه وسلم يجعل عاطفة القلب في أداء حقوق الأخوة أصلا لا يتم الإيمان بدونه، وليست فضلا يتفضل به الأخ على أخيه، فيقول صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”. متفق عليه.

ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: “أن رجلا زار أخا له في الله، فأرصد الله ملكا فقال: أين تريد؟ قال: أريد أزور أخي فلانا. فقال: لحاجة لك عنده؟ قال: لا. قال: فيم؟ قال أحبه في الله. قال الملك: فإن الله أرسلني إليك بأنه بحبك لحبك إياه، وقد أوجب لك الجنة.” رواه مسلم.

أرأيت كيف كانت منزلة الحب في مدرسة الإسلام الأولى، وفي أستاذها الأكبر صلى الله عليه وسلم.

ومن جمال الأخلاق النبوية التي استوقفتني وصف جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه لأنماط تعامل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم قط منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم. وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حُجره، ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر”.

ثم وَصْفُ أنس رضي الله عنه لتواضع النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: “ما أخذ أحد بيده فيرسلها حتى يرسلها الآخذ، ولم يمد ركبتيه بين جليسه قط، وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، ويُكرم من دخل عليه، وربما بسط له ثوبه ويؤثر بالوسادة التي تحته ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، ويكني أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه”.

طالع أيضا  يا هلال الربيع

ولذلك فهمت أن المؤمن لا تليق له إلا الرقة، وفرط الحساسية والنزاهة، والعلويات، واللفظ العذب وطرائق اللين والحس المرهف، حتى يكون أشد حياء من العذراء في خدرها.

إن الحقائق الكبيرة التي بلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم وربَّى عليها الجيل الأول من الصحابة هي وحدها الركائز التي ينبغي أن يقوم عليها اجتماعنا، ولن يستقيم بغيرها طريق. إن الحق هو الحق، والنفوس هي النفوس.