إن حدث مولد سيدنا محمد صلى ربي عليه وسلم حدث عظيم بكل المقاييس. وهذه أسطر تتأمل في حدث المولد العظيم هذا للسيد الكريم عند الله، سيد الخلق وحبيب الحق، سيدنا محمد بن عبد الله الصادق الأمين، رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه وجنده ومن والاهم إلى يوم الجزاء والدين وسلم تسليما كريما. وإنا نقف عند بضع من تلكم التجليات التي نراها في ما يأتي:

– إن حدث المولد إيذان باكتمال دورة الخلق الرباني للعوالم الكونية؛ ففي نقطة من الزمن في الأزل، هناك في البدايات، تجلت معالم الوجود بما هو جوهر قائم على التدافع الدائم بين الحق الذي يمثله أبو البشرية سيدنا آدم، وبين الباطل متجسدا في العدو الخبيث الشيطان الرجيم، وهو صراع متأصل بين رمزية العبودية المستسلمة للخالق وبين رمزية العصيان المتكبر لإبليس اللعين وجنده. ولئن كانت السماء مكان بداية الصراع فإن الأرض كانت محل استئناف ذلك التدافع الأبدي بين هذا الحق وذلك الباطل، والذي سيؤول مصير كل إنسان فيه إلى اختياراته الحرة؛ فقد هدي النجدين وأوتي من السمع والبصر الحسيين والعقليين ما يمكنه من أن يختار به آخرته ويسلك بها فجاج دنياه. ولقد كان مولد الهادي إيذانا ربانيا باكتمال دورة حركية ذلكم التدافع بالتبشير بانتصار الحق والعودة إلى الأصل السماوي، فما نحن من سكان هذه الأرض على كل حال، وقد بعث الرسول وقيام الساعة وشيك معلم بالرجوع للحضرة الربانية لينال كل واحد جزاء اختياراته.

– إن حدث المولد النبوي استئناف للحلقة الأخيرة من حلقات تاريخ الدعوة إلى الله تعالى؛ فالمنظور القرآني للتاريخ من خلال القصص القرآني لا يقدم لنا التاريخ كما نتصوره جملة
أحدث ماضية لا معنى لها ولا وجهة. إنما التاريخ في جوهره هو تعاقب للدعاة إلى الله على الناس؛ أي تعاقب لبعثة الرسل يدعون قومهم فيتوبون ويسلمون، ثم يفعل الشيطان فعله بأدواته الإغوائية مسلحا بتواطؤ النفس وسيادة الهوى فينسون ربهم، فيبعث الله رسولا آخر ناصحا مبلغا. وجوهر كل الدعوات تلك هو الدعوة إلى الإسلام استسلاما لله وخضوعا له واعترافا بألوهيته وربوبيته وقدرته وحكمته، والمختلف هو الشرائع المناسبة للزمان والمكان والإنسان، إلى أن وصلنا إلى آخر مبعوث بآخر بعثة سماوية لأهل الأرض مذكرة بحقيقة الصراع وجوهر الصراع. المضمون واحد متجدد: “اعبدوا الله مالكم من إله غيره”، والشرائع مواجهة إما للاستبداد السياسي كما عند سيدنا موسى، أو للفساد الأخلاقي القيمي كما هو الشأن مع سيدنا لوط، أو للفساد الاقتصادي المالي مع سيدنا شعيب، لتكتمل الشريعة بالمنهاج النبوي المحمدي جامعة صارمة بإسقاطها رمزية الكفر والشرك اللذين نجد إشارة دالة عنهما في خمود نار الفرس، وبإسقاطها لرمزية الاستكبار للملأ المترف الذي نجد التعبير عنه في ما وقع لإيوان كسرى. لتتبدى لنا عن ذلك جوهر الرسالة الأخيرة للرسول الأخير ممثلة في ثنائية فرعها الأول الإيمان والترقي في مدارج الدين إلى الإحسان، وفرعها الثاني التأسيس لمجتمع العدل والعمران.

طالع أيضا  بعض صور محبة رسول الله.. مع الأستاذ سعيد حنكير

– لقد كانت بعثة الرسول الكريم تقديما لنموذج فريد مؤسس لدولة بناء الفرد الإنساني والمجتمع العمراني، وهو النموذج الذي سيؤسسه عالمه على أرضية الدعوة إلى الله عز وجل بما هي خطاب ينفذ إلى المعنى الجوهري لوجود الإنسان من حيث كونه مخلوقا مدعوا إلى أن يكون عبدا له مستعدا للرجوع إليه، ولقد جسد الشعار الخالد “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” جوهر هذه الدعوة. وعن هذه الدعوة إلى الله بهذا الجوهر والمعنى السامقين، تنبثق دعوة إلى مجتمع العدل المبني على اجتثاث الجاهلية بمعالم حكمها الاستبدادي الظالم، ومآلات حمية عُبِّية عصبيتها المنتنة، وصفات ظنها العقدي الفاسد، وسمات تبرجها الأخلاقي. وهو المجتمع الذي يعرض الدعوة النبوية المبعوثة لإتمام مكارم الأخلاق التي تروم إسماع الفطرة النقية لإنسان ضائع عن المعنى في شهواته، وتقديم معاني الرحمة والرفق لعالم تائه عن سر وجوده غارق في مآسي عنفه وحروبه.

إن مولد نبي الضياء، ومبعث الهدى والشفاء، بعظمته التي لمسنا بعضا من تجلياتها، لجدير أن يكون لحظة تفكر واعتبار في: كيف استطاع رجل واحد أن يغير قوم جاهلية طاحنة، وأن يبني مجتمعا استطاع أن يغير وجه العالم بعد أن غير وجهة الإنسان؟ علنا نكتشف بالبحث والتأمل العميقين وبالإرادة المتجردة لمعرفة الحق المنهاجَ النبوي لوصفة التغيير المنشود ف”كما بدأنا أول خلق نعيده” وعدا ربانيا وبشارة نبوية لا يخلف الله وعده ولا يضيع بشارة نبيه.