يشغل حب المصطفى صلى الله عليه وسلم مكانة معتبرة جدا لدى المغاربة جميعا، ويعبرون عن ذلك بارتباطهم بشخصه الكريم في حياتهم كلها، وبمظاهر الاحتفال التي ينظمونها خاصة في مولده الشريف عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ونسلط الضوء على هذه العلاقة من خلال مولد صلى الله عليه وسلم في هذا الربورتاج، الذي نورد فيه تصريحات استقاها موقع الجماعة في الموضوع.

ذكرى المولد عند المغاربة يوم “عيد”

أوضح الأستاذ “لطفي الطويل” من مدينة فاس لموقع الجماعة أن المغاربة يغتنمون ذكرى المولد النبوي الشريف للتعبير عن صلتهم الوثيقة بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم التي لم تقطعها بعد مسافة عن المضجع الشريف، ولا بعد الزمان عن ذلك اليوم العظيم، ملفتا إلى أنهم يعتبرونه “يوم عيد” فيتطيبون، ويتزينون بأجمل الألبسة، ويعدون ألذ الأطعمة، وتجتمع الأسرة للتعبير عن الفرح بهذا اليوم العظيم.

وتابع “الطويل” متحدث أن المغاربة في هذه المناسبة الغالية على قلوبهم “ينتقون أطايب الكلام، ويتدارسون سيرة خير الأنام، ويجتمعون للصلاة عليه، ويتغنون في مجالسهم بقصائد تلهب شوقهم للحبيب صلى الله عليه والسلام طيلة شهر الربيع النبوي”.

وشدد على أن هذه الصلة “لها جذور في تاريخهم بقدر عمقها في قلوبهم”، مذكرا بفضل المغاربة في الحفاظ على سلالة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب بـ “استقبالهم للمولى إدريس وأصحابه من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لجأوا إليهم فارين من اضطهاد العباسيين، ليعم التعبير عنها جميع جوانب حياتهم”.

ومن مظاهر التعلق بالجناب النبوي يضيف المتحدث أنك “تجدهم ينظمون مواكب الشموع في كل المدن المغربية، إلا ما منعته السلطة، ويستشفعون لأحدهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويزفون عروسهم ويستقبلون العائد من الغربة، ويطفئون نار الغضب بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويصفون جمال أحدهم الخِلقي أو الخُلقي بقولهم “الصلاة على النبي عليه ما شاء الله””.

أما الأستاذ “عبد الله لمين” من مدينة تارودانت فيتساءل “كيف لا يكون مولده صلى الله عليه وسلم عيدا وأعظم عيد؟!” وهو لحظة تجل كبرى لرحمة الله عز وجل بالإنسانية جمعاء إلى يوم القيامة بأن أبرز سبحانه إلى الوجود حامل رسالة الهداية الأخيرة الخالدة.

وأشار “لمين” إلى أن مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم “ليس حدثا عاديا كمولد غيره من عامة الناس”، لذلك فلا عجب من أن يكون مولده عيدا، لكون الشوق والحنين “يعاودنا فيه إليه صلى الله عليه وسلم والهم في اتباع هديه والتخلق بأخلاقه والمضي على أثره في تبليغ رسالة الله لخلق الله”.

ولفت إلى أن مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، “ينبغي أن يكون ميلادا وتجديدا للعهد في قلوبنا وعقولنا وسلوكنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. تجديد عهد بالتوبة والاتباع والنصرة والتعزير والتوقير ودوام الصلاة عليه كما أمرنا الله عز وجل”.

طالع أيضا  منع السلطات المغربية لمواكب الاحتفال بمولد خير الأنام يتسع.. والمغاربة يواصلون التعبير عن فرحهم

ذكرى المولد فرصة لتجديد العهد وتصحيح القصد

الأستاذة “سعيدة رامضي” من مدينة سوق أربعاء الغرب تعتبر أن “المغاربة قاطبة جبلوا على حب المصطفى صلى الله عليه وسلم منذ القرون الفاضلة، بحسن وفادة آله الأطهار رضي الله عنهم، حينما قدموا من المشرق، عملا بوصيته صلى الله عليه وسلم”. وأوردت ما أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، وهو حديث حسن غريبا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر وهو كتاب الله، حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما).

وأوضحت “رامضي” أن المسلمين جرت عادتهم في الاحتفاء بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بـ “قراءة صحيح البخاري جماعة، والاحتفال بمولده الشريف مدحا وإنشادا، وملازمة الصلاة عليه وردا دائما وسنة متبعة، ونظمت قصائد خالدة في مدحه صلى الله عليه وسلم لازالت تردد على الألسن، أشهرها قصيدة البردة للإمام البوصيري رحمه الله”.

وشددت المتحدثة على أن ما يتعرض له الرسول المصطفى، من حملة شعواء ورسوم مسيئة لجنابه الشريف بدعوى الحرية والحق في التعبير، لا يزيد المسلمين “إلا تعلقا بنبيهم الكريم، واستمساكا بسنته المطهرة، واتباعا لجنابه الشريف، المبعوث رحمة للعالمين، والمتمم لمكارم الأخلاق”.

واعتبرت أن ذكرى مولده “فرصة سانحة لتجديد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تصديقا وطاعة وتعلقا بالجناب النبوي الشريف”، موضحة أن محبته صلى الله عليه وسلم هي العروة الوثقى والحبل الممدود من السماء، ودليل صدق الإيمان، بدليل ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).

ولفتت إلى أن نصرته صلى الله عليه وسلم تتجسد من بين ما تتجسد به بـ “اقتفاء أثره، وإحياء سنته، وطاعة أوامره، واجتناب نواهيه، ولا يتأتى ذلك إلا بصحبة العلماء الصالحين، الذين يعملون جاهدين على إحياء المنهاج النبوي الخالد، تجديدا لدين الأمة، وإرساء لنهضة إسلامية واعدة بإذن الله تعالى”.

واعتبر الأستاذ “عثمان غفاري” من مدينة سطات بدوره، أن المولد النبوي الشريف مناسبة مباركة تتكرر كل سنة “للإقرار بفضل الله علينا بنعمة الإمداد بعين الفضل والجود الذي أضاء من وجوده كل موجود، سيد ولد آدم يوم القيمة، وحامل لواء الحمد وصفوة خلقه عليه الصلاة والسلام”.

وأضاف أنه “مناسبة للاعتذار لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن تقصيرنا وتفريطنا في التعريف به ونشر سنته، في ظل هاته التصرفات المشينة والتصريحات الهجينة المفتقدة للمسوغ المعقول والمنطق المقبول والدالة على جهل أصحابها بخصال وشمائل سيد الرجال الفحول بأبي وأمي أنت يا رسول الله”.

طالع أيضا  مولد الهادي بحق مولدي (قصيدة للشاعر منير ركراكي)

وهي أيضا ذكرى عطرة للاعتبار بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لإعمال السنن الربانية الكفيلة بتنوير القلوب وتحرير العقول من التخلف والخمول، وبتفعيل المنهاج النبوي الكفيل بتوحيد التصور اجتهادا ودعوة وجهادا. يضيف المتحدث.

وذهب “غفاري” إلى أن هذا المطلوب المقصود لن يتأتى لنا إلا بـ “الاحتفاء بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم محبة وتعظيما ومدحا وثناء واتباعا واقتداء وإكثارا من الصلاة عليه والتعلق المادي والمعنوي بجنابه الشريف طيلة العام وعلى جميع الأحوال، فرادى وجماعات بدون تحديد أو حصر للصيغ والكيفيات، مع مزيد اهتمام وإقدام واقتحام بمناسبة ذكرى مولده عليه الصلاة والسلام”.

فليكن احتفالنا واحتفاؤنا به هذا العام يقول “غفاري”؛ “فرصة لتصحيح القصد والتوبة النصوح مع الله تعالى، وفرصة لتجديد العهد مع كتاب الله حفظا وتلاوة واستماعا وعملا ومع سنته اتباعا وإحياء وإعلاء، وفرصة لتجديد الود مع آل البيت الأطهار والصحب الأبرار وإخوانه من قبله وبعده الأخيار محبة وأدبا ونصرة وتعاونا على خدمة دعوته ونشرها، وفرصة لتلافي الخلافات فيما بيننا وتوحيد الجهود للوقوف سدا منيعا في وجه الحملات المغرضة المستهدفة للمسلمين والإسلام شرقا وغربا”.

سيدنا محمد مفتاح باب الله

من جهتها تحدثت الأستاذة “طيبة قيطوني الإدريسي” من مدينة فاس عن مولد خير خلق الله، الذكرى العظيمة والمحطة الرئيسية التي “تربطنا بالرحمة المهداة والنور الذي أضاء القلوب وأنار لنا الطريق، طريق الفلاح والوصول لأسمى الأهداف، محبة الخالق الوهاب”، موضحة أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم “هو مفتاح باب الله“، مصداقا لقوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (آل عمران:31).

وأشارت إلى هذه الذكرى “نجدد فيها الصلة بالنبي الأكرم ونذكر من حولنا بفضل المصطفى وحقوقه علينا”، موردة حديثا رواه البخاري ومسلم، يقول فيه صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين “. وأوضحت “قيطوني” أن محبته صلى الله عليه وسلم “ادعاء وكلام دون معنى إن لم نتبعه ونستن بسنته ونخطو خطاه ونتخلق بأخلاقه ونكثر من ذكره”، مستدلة بقوله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (الأحزاب:21).

وحتى تزهر فينا شجرة الحب الإلهي النبوي، يقول الأستاذ “المصطفى حمور” من مدينة الدار البيضاء؛ “لا بد من إرادة تلمس الطريق الموصلة إلى جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسنى بدلالة الربانيين، والوقوف الدائم على باب الله الكريم والاستنان الكامل بطريقته وهديه، والتخلق بأخلاقه وآدابه، والفهم الجامع لمنهاجه، والتعريف به وبدعوته والوقوف في وجه الظلم والظالمين ونشر رحمة الله في العالمين”.

طالع أيضا  في مديح الحُبّ النّبوي.. دثريني يا خديجة (3)

وأضاف “حمور” أن ذكر الحبيب صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه والتعلق به ظاهرا وباطنا، لما يكون في كل نفَس -وليس في مناسبة- “آنذاك يكون لشجرة الأعمال والأقوال والأحوال أصل ثابت، وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها”.

الفرح بمولده فرح بنعمة الله العظمى

أما الأستاذ “محسن الإدريسي” من مدينة طنجة فيستبشر بمولدٍ “أضاءت له الآفاق حتى أنارت قصور الشام وتساقطت له الأصنام حول الكعبة وتصدع إيوان كسرى وانطفأت نار فارس..”

وأشار “الإدريسي” إلى أن الموالد تتعدد لكن مكانة كل مولد بمكانة المولود فيه، قبل أن يتساءل “فكيف إن كان مولدَ من بعثه الله رحمة للعالمين ليُخرج البشرية من الظلمات إلى النور، من العبودية لغير الله إلى الحرية والانعتاق، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، رسول من أنفسنا، عزيز عليه عنتنا أي يشُق عليه شقاؤنا وحرجنا، حريص علينا، هو منبع الرأفة والرحمة بالمؤمنين”.

وأوضح المتحدث أن “هذا من الأحداث الظاهرة، وفي غيب الله ما أُخبرنا به وما لا نعلم”، مشيرا إلى أن الفرح بمولده صلى الله عليه وسلم، هو فرح بنعمة الله ومنّته العظمى، “وهل من نعمة خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ يونس الآية 58″.

 حُقّ لنا يقول “الإدريسي” “أن نُشيع الفرح بالرحمة المهداة ونجدد محبته في القلوب بإدامة الصلاة عليه ومديحه والتذكير بشمائله وسيرته ومكارم أخلاقه التي هي القرآن نفسه يمشي على الأرض كما وصفت أمنا عائشة رضي الله عنها”.

ثم يتابع مسترسلا “وتمام الاحتفاء والاحتفال به، اتخاذه صلى الله عليه وسلم أُسوة حسنة”، وقد هيّأه الله لذلك من قبل بعثته كما شهدت له أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها قائلة في حدث أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم: “كلَّا! والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدُقُ الحديثَ، وتَحمِل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”، وفي رواية أخرى: “وتؤدِّي الأمانة”.

ولفت إلى أن الله عدّد المداخل للبشرية جمعاء لتقبل الائتساء به صلى الله عليه وسلم، “أسوة مِلْؤُها التشرب من نوره الساري بين المؤمنين وتعلم العلم الذي جاء به وتبليغه والدعوة إليه، مِلْؤُها العبودية الخالصة لله والغضب على الظلم، والأمر بالقسط والعدل، والعمل بشرع الله المتجدد المتوافق مع الأزمنة والأمكنة، مِلْؤُها السعي لبناء الأمة وتحريرها حرية تتيح لها أن تكون شاهدة على الأمم ومبلغة لرسالة خير الأنبياء والرسل”.