لم يرفع ذكر أحد من مخلوقات الله ولن يرفع كما رفع ذكرك صلى الله وسلم وبارك عليك، وليس لك يوم واحد من أيام العام، لكن يومك هذا منبع وأصل وسبب الأعياد و‏السعادات والرحمات كلها، وذكراك ‏تحيي أمتك وليست هي من يحيي ذكراك، وإلا فالزمان – كل الزمان – والمكان – كل المكان – يردد ذكرك وذكر ربك لك إن الله وملائكته يصلون على النبي (الأحزاب، 56). قالوا صلاة الله على نبيه “ثناء الله عليه” و”رحمته به”، لكن حقيقة هذه الصلاة وجوهرها لا يعلمهما إلا هو سبحانه، ولا يدرك كنهها إلا من تنزلت عليه قبل مولده وبعده وإلى ‏يوم الدين بل أبد الآبدين في دنيا الناس وقبل أن يكون الناس وفي الآخرة حيث لا شفيع للناس إلا أفضل الناس وخيرتهم عند ربهم.

بيان بديع وتقابل رفيع بين “النبي” في الآية هنا وبين “خاتم النبيين” ‏في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الأئمة أحمد والحاكم وابن حبان رحمهم الله عن العرباض بن سارية رضي الله عنه: “إني عند الله مكتوب بخاتم النبيين ‏وآدم مجندل في طينته وسأخبركم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومَه، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام”. فهي صلاة من الله أزلية قديمة أبدية ‏باقية.

“وملائكته” في الأرض وفي السماء وفي كل سماء “يصلون على النبي” في الماضي والحال والاستقبال كما يسبحون ربهم لا يفترون.

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (الأنبياء، 107) ومن هذه الرحمة أن شرفنا  سبحانه بالصلاة عليك والصلة بك، وقرن صلاتنا بصلاته عز وجل وصلاة ملائكته عليك يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (الأحزاب، 56).

ومن هذه الرحمة والحرص ‏علينا أن أخبرتنا هنا في دنيانا أنه لا شفيع – يوم القيامة يوم الفزع والهول الأعظمين – من الرسل والنبيين عليك وعليهم الصلاة والسلام إلا أنت حتى لا نتيه ونضيع ونأتي سراعا الخفيف منا والثقيل إلى باب الرحمة المهداة.

طالع أيضا  منع السلطات المغربية لمواكب الاحتفال بمولد خير الأنام يتسع.. والمغاربة يواصلون التعبير عن فرحهم

ومن هذه الرحمة والرأفة أن أخبرتنا – بأبي أنت وأمي – بما سيكون وبما سيقع لنا نحن أمتك فيما بيننا أولا، ثم بيننا وبين من يحاربونك ويحاربوننا، وأخبرتنا بعاقبة كل ذلك، ‏وأن هذه الأمة أمرها إلى فلاح وصلاح، وأن نورك سيدخل كل بيت مدر ووبر وأن أمرك يبلغ ما بلغ الليل والنهار. كل هذا حتى لا نيأس، وحتى نقتفي أثرك ونتأسى بك في العمل والسعي، والصبر والثبات، ‏والقوة والشجاعة، والرحمة الشاملة والخلق العظيم.

ولم تقنط – روحي فداك – أحدا منا برا أو فاجرا، ضعيفا أو قويا، لكن مع ذلك – ومن تمام رحمتك – نبهتنا إلى أن “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”. ورفعت هممنا ‏إلى حيث لا تشرئب الأعناق ولا يخطر ببال “إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم. قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم” (أخرجه ابن نصر في كتـاب السنـة وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة المجلد الأول حديث رقم 494). منكم: ‏من أصحابك الكرام، من صفوة خلق الله رضوان الله عليهم وأفضلهم بعد أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام.

فما أسعدنا بك! سعادة لا يشوبها إلا تقصيرنا في نصرتك ونصرة دينك، وقصورنا عن أن ‏نكون رحمة في العالمين كما كنت ولا تزال وستبقى رحمة للعالمين.

“اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك سيدنا محمد نبي الرحمة. يا سيدي يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه فينا” وأخرجنا من هذه الحال ‏إلى أحسن حال وأرضى حال، واستعملنا فيما يرضيك عنا وتعز به أمتنا وتهدي به عبادك أجمعين.