بقلم: أحمد أيت عمي

دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أضيافاً من الصحابة رضي الله عنهم عند أُم المؤْمِنِين عائشة رضي الله عنها، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فأخذت أُم المُؤْمِنِينَ عائشة رضي الله عنها الصَّحفَة ورمتها على الأرض أمام الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يلملم الطعام وبقايا الإناء من الأرض وهو يضحك، ويقول للصحابة: غارت أمكم، غارت أمكم، ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ أُم المُؤْمِنِينَ عائشة، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ أُم المُؤْمِنِينَ عائشة، وانتهت المشكلة بحسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وابتسامته وعباراته اللطيفة.

لقد فعل رسول الله ذلك إرضاءً لزوجته التي أرسلت الطبق إليه، ولكنه في نفس الوقت لم يُغضب التي كسرت الطبق متعمّدة بفعل الغيرة، بل أخذ الأمر بهدوء ولم يزد عن قوله: غارت أمّكم، غارت أمّكم.

ولنتأمل كيف غمر صلى الله عليه وسلم أُمَّ المُؤْمِنِينَ عائشة بعطفه وإلطافه وشمل المرسلة بعدله وإنصافه، ليرضى الجميع بقوله وفعله.

وهكذا يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الأمثلة في التعامل مع زوجاته والحفاظ على روح المودة بينهن، فلم يُغضب هذه ولم يُغضب تلك، كما أنه أكّد أن الغيرة موجودة في قلوب النساء، وبيّن لنا أننا يجب أن نتعامل معها بهدوء، لأنها فطرة في النفس.

ضَعْ نفسك مكانه، يا له من موقف مُحرج، زوجتك ترمي بصحنِ طعام أمام ضيوفك، لا شكَّ أنكَ ستشعر بالحرج، وأول ما ستفكر فيه أن تثأر لما حدث، وستُعنِّفها أمامهم لأنك لا ترضى بهذه المهزلة.

اُنظُر كيف تصرَّف الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعلّم الدرس.

طالع أيضا  الجباري: المسلم على نهج الصحابة تتنوع عنده تجليات الفرح برسول الله

تعامل صلى الله عليه وسلم مع هذا الموقف بلطف وحكمة، لاصراخ، ولا تهديد، ولا وعيد، فسبحان من أدبه فأحسن تأديبه. إنما تصرّف بطريقة أخرى، وذلك باستيعابه للموقف، باتزان، وبرجاحة عقل، بل جلسَ على ركبتيه، وجمعَ أجزاء الصحن المكسور، ولملمَ الطعام عن الأرض، وقال لمن حوله مبتسماً: غارتْ أُمُكُم، غارتْ أُمُكُم، ثم أبقى الخادم عنده قليلاً، ريثما تُحضر عائشة صحناً بدل الذي كسرَتْه وتُرسله مع الخادم، وصدق الحق عز وجل القائل في كتابه العزيز وإنك لعلى خلق عظيم.

رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتغاضى عن أمنا عائشة فقط، وإنما يلتمسُ لها العذر، لقد كسرت الصحن بدافع الغيرة، لقد راعى طبعها.

ما يسترعي الانتباه هو هذا الموقف التربويّ العظيم من النبي صلى الله عليه وسلم، كيف تعامل مع غيرة عائشة، إذ لم يزجر ولم يعنف، بل قالت عائشة رضي الله عنها: “فما رأيت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

لقد عالج النبي صلى الله عليه وسلم الأمر معالجة تربويّة حكيمة، يتبين منها رقي تعامله صلى الله عليه وسلم مع الزوجة، وتقدير نفسيتها وما جُبلت عليه من غيرة قد تجعلها تخطئ الصواب في التصرف أحيانا، فلم يعاتبها وأعذرها فيما فعلت ولم ينته إلى هذا الحد فحسب، بل نبّه أصحابه إلى ما حملها على هذا التصرف فقال: “غَارتْ أُمُّكم، غارتْ أُمُّكم”. صل الله عليك يا من قلت ”خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله“.

مُخطئٌ من يظنُّ أن الحياة الزوجية ساحة حرب عليه أن ينتصر في كل معركة فيها، على العكس إن الحياة الزوجية لا تستمر إلا بالتغاضي، تغاضي الرجل وتغاضي المرأة، فلو وقفنا عند كل تصرف، وانفعلنا عند كل كلمة لأصبحت الحياة جحيماً لا يُطاق.

طالع أيضا  رجاحة عقله وفصاحة لسانه صلى الله عليه وسلم

اللهم ارزقنا الحكمة وفصل الخطاب