بقلم: تورية البوكيلي

الرحلة إلى حيث بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ورؤية دقائق حياته وأسلوب معاملته أمر مشوق للغاية، فكيف إذا احتسبنا فيه الأجر والمثوبة؛ إنها عظة وعبرة، سيرة وقدوة. سنعود قرونا خلت ونقلب صفحات مضت، نقرأ فيها ونتأمل سطورها، ونقوم بزيارة الحبيب المصطفى في بيته، نرى حاله ونسمع حديثه، نعيش معه يوما واحدا فحسب، نستلهم الدروس والعبر ونستنير بالقول والفعل.

حب كعقدة الحبل

مشهد رائع من المشاهد التي طرزت حياة سيدنا وقرة أعيننا صلى الله عليه وسلم الزوجية، ورسمت لمؤسسة الزواج صورة بهية لم نرَ لها مثيلا على مر الأزمان، ها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلطف مع أمنا عائشة ويعبر لها عن الحب الذي في قلبه ويعاملها بمعاملة حانية وبلمسات جميلة تفيض بالمحبة والحنان والرحمة، فيقول لها حبي لك “كعقدة الحبل” فتضحك هي، وكلما مرت عليه سألته: كيف حال العقدة يا رسول الله؟ فيقول: “هي على حالها”.

يا حبيبي يا رسول الله، ضربت لنا أروع صورة عن المحبة، فكنت مثال الزوج المحب، علمتنا أن الحب كفيل بتوثيق الرباط بين الزوجين وازدياد صلابته ومتانته، علمتنا أن بالحب يتجدد العهد في كل وقت وحين، لا تخبو أو تنطفئ جذوته، علمتنا أن الحب صلة ممتدة، جذوره في الأرض وأغصانه في جنات النعيم، فطوبى لمن صانه واغتنم.

أنس وسمر

مشهد آخر يدل على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرفيقات دربه، ورغم انشغاله بعبء الدعوة كان يخلع الهموم والمشاكل عند باب بيته، ليكون حاضرا بجسده وذهنه، يحسن الاستماع ويحسن العشرة ويستثمر كل فرصة للتقرب منهن. وها قد حل الليل، وإذا بأمنا عائشة تستفيض في سرد قصة إحدى عشرة امرأة مع أزواجهن، والنبي صلى الله عليه وسلم يستمع بانتباه وتركيز، ويفهم حاجتها، فيقول لها: “يا عائشة كنت لكِ كأبي زرع لأم زرع”، بل يسعى إلى طمأنتها فيقول: “إلا أن أبا زرع طلق وأنا لا أطلق”، فيفرح قلب أمنا عائشة وترد عليه بأحسن منها: “بأبي وأمي لأنت خير لي من أبي زرع لأم زرع”.

طالع أيضا  في ذكرى المولد النبوي: فجرُ الولادة الثانية

يا حبيبي يا رسول الله، فهمت وأنت اللبيب، حاجة زوجتك بالاستئثار بك، فأسعدتها بأنسك وسماعك، وملأت قلبها بحبك ودلالك. ضربت لنا مثالا رائعا لزوج رفيق رحيم، تعاملت مع رغبة زوجتك بذوق فريد، فطوبى طوبى لمن استن بسنتك.

كان في مهنة أهله

في إطلالة أخرى على البيت النبي، إطلالة من نافذة فتحتها أمنا عائشة رضي الله عنها؛ لنرى منها النبي صلى الله عليه وسلم في حالة خاصة، فإذا هي تصفه بهذا الوصف المختصر البليغ، كان في مهنة أهله، إننا نطل من هذه النافذة على البيت النبوي فنراه صغيرا في مساحته، بسيطا في متاعه ولكن الخلق النبوي العظيم جعله وعاء كبيرا مليئا باللطف، ترن فيه الضحكات، وتشرق البسمات، ويتدفق ينبوع غامر من السعادة. فها هو النبي “يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويحلب شاته”، ويخدم نفسه، تعامل رفيع. مبادرته إلى المشاركة المعبرة في أعمال البيت، يجعل لحضوره فرحة وأنسا، ولغيابه وحشة وفقدا.

يا حبيبي يا رسول الله، رسمت لنا … تتمة المقال على موقع مومنات نت.