(1)

لا أحد يزاحمها في منزلةٍ تتربّع عليها في قلبي… لا أحد؛ فمنذ أن وعيْتُ معنى السيرة النبوية وصورتُها تكبر في نفسي وتتجمّل حتى بلغت مقاما تنفرد به دون باقي الصحابة عليهم الرضا والرضوان أجمعين، وبينما أعرف بعض الأسباب التي يمكن أن تصلح تعليلا لذلك، يبقى الأهم ثاويا بين أضلعي دون قدرتي على تدليلٍ أو تحليل؛ عاطفةٌ هي إذا وأحاسيس وليست وقائع وأحداث، فإن كان ولا بد بحثا في هذه، وجدتُ جمالا وجلالا في تفاصيل حياة يومية عاشتْها بكلّ شٌعاعٍ من روحها رفقة من كان حبيبا وقرة عين، و”فارقته” إلى الرفيق الأعلى دون أن ينسى ـ مطلقا ـ صلى الله عليه وسلم طيفها وذكراها.

(2)

عندما شَغُفَتْ به، وكانت قد تجاوزتْ فتنة الشباب ونزقه بسنوات، لم تعد ترى في الوجود من رجل سواه، تعرف جيدا أنه يتيما كان ومُعدما، ولكن كل المؤشرات التي ترصّدتها بحسّ الأنثى وحنكتها أكدت لها أنها أمام شخص غير عادٍ بالمرّة، فوجب إذا الفوز به وربحه قبل أن تطيرَ به أخرى؛ وهل تظن امرأة مثل خديجة تفرّط في رجل مثل محمد!

ما هو مؤكد، أنها، وبعد أن جمعتهما الحياة وتفاصيلها، حيث ينكشف الإنسان، ولا تبقى له أية إمكانية لدعاية أو بهرجة خادعة، امتلأت روحها بهجة وسعادة، وما عاد بها ما يستوعب ولو نقطة واحدة من مزيد فرح.

خديجة الجميلة؛ وهل تظنُ الإنسانَ يتزوج من لا يعتبرها كذلك، ومادام محمد تزوجها فلا شك لديّ ـ ولا قدرة لهذا الشك على التجلي ـ أنها جمالُ الجمال وسيّدته !

خديجة الفنّانة الأنيقة البارعة النبيهة !

وكيف لا تكون كذلك وقد أحْكمتْ صناعة شِباك الحبّ وضيّقت مسامه حتى ضمنتُه أسيرَ  حُشاشة قلبها.

طالع أيضا  مولد الضياء أو التقاء الأرض بالسماء

تَـلِـيقُ به صلى الله عليه وسلم، ويليقُ بها رضي الله عنها وأرضاها !

(3)

من قال بأن حُبّا جَمَعَ زوجين سما فوق ما عشتُماه بمكة يستحق أن تُنسج حوله الحكايات وتُغْزَلُ القصائد ! أيا ابن الملوّح والعامرية كيف طاوعكما قلبيْكما أن تَسْكتا عن تحريفٍ طال تاريخ الحب… ننتظر منكما اعتذارا!

ومن قال بأن ابن أنثى عاش وَفيّا طول ما تبقى من عمره لزوجة تقدّمته إلى الآخرة مثل ما كان وعاش محمد صلى الله عليه وسلم وهو بين زوجات كثيرات، كلّهن يتسابقن للفوز برضاه والجنّة !

تذكرُ أقربهن إلى قلبه، عائشةُ السّيّدة، أنه لم يكن ينسى أبدا ذكرها وذكراها حتى أصابتها غيرة وعبّرت عنها مرّة بحدّة، فرأت منه العجب؛ رأت وفاءً لحبّ مازال دافئا في قلبه ويأبى النسيان، فما كان منها إلا الاقتناع بضرورة التعايش مع ما لا مفرّ منه.

وأجمل من كل هذا قصة عِقد المحبوبة المُتوفّاة وقد أرسلته ابنتها ـ ذات حرب ـ لفداء زوجها يوم كان مشركا لا يزال، فكاد البُكا يتجلى، وبالتسامح معها أوصى، وبأن تَحفظ ما لا ينبغي التفريط فيه مهما كان الداعي والمُرتجى.