بعيداً عن الرقابة البرلمانية بله الرقابة المجتمعية تستنزف صناديقٌ مجهولة في الكثير من مصاريفها ومداخيلها ملايير الأموال كل سنة، ويُتوقع أن تلتهم خلال السنة المالية الجارية أكثر من 93 مليار درهم دون حسيب أو رقيب، وهي الصناديق التي يعتبرها كثير من المراقبين بمثابة “أبواب خلفية” لهدر المال العام.

الحسابات الخصوصية” التي تدرج بشكل سنوي في قوانين المالية أُطلق عليها إعلامياً ومجتمعياً اسم “الصناديق السوداء”، لأن التصرف فيها يجري من طرف المسؤولين عنها دون الخضوع للرقابة البرلمانية.

وهو ما يجعل من فئات واسعة في المجتمع تعتقد بشكل جازم أن هذه الحسابات توزع على فئات محددة تستحوذ على أموال هذه الصناديق بتبادل المكافآت والتعويضات المشبوهة.

ما هي الصناديق “السوداء”؟

أصدرت وزارة المالية تقريراً تحت عنوان: “الحسابات الخصوصية للخزينة“، وذلك ضمن سلسلة تقارير تهم مشروع قانون المالية لسنة 2021، وعرضت فيه كثيرا من الأرقام والمعطيات والإحصاءات من قبيل عدد هذه الصناديق التي عرفت إضافة أربعة صناديق أخرى خلال سنة 2020.

تنقسم هذه الحسابات إلى خمسة أصناف: حسابات التمويل، وحسابات الانخراط في الهيئات الدولية، وحسابات العمليات النقدية، بالإضافة إلى حسابات النفقات من المخصصات، وحسابات مرصدة لأمور خصوصية. وتنال هذه الأخيرة حصة الأسد من عدد الحسابات التي تصل إلى 56 حساباً من أصل 69 حساباً في المجموع.

وقسّم التقرير الحسابات إلى ستة مجالات، منها 4 حسابات لمجال التنمية الترابية، و12 حسابا لمجال التنمية البشرية والاجتماعية، و10 حسابات تتعلق بمجال البنيات التحتية، بينما خصّ 8 حسابات لمجال التنمية الفلاحية والصيد، و10 حسابات تتعلق بمجال الإنعاش الاقتصادي والمالي، فيما تبقى 11 حساباً يتعلق بمجالات أخرى.

أما في التدبير فيورد التقرير أن وزارة الاقتصاد والمالية تعتبر آمراً بالصرف لـ 26 حساباً، وتأتي وزارة الداخلية في المرتبة الثانية بـ 9 حسابات، تليها قطاعات الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات بـ 5 حسابات، ورئاسة الحكومة وإدارة الدفاع الوطني بـ 4 حسابات لكل منهما، وبقية الحسابات تتوزع على وزارات أخرى.

طالع أيضا  بناجح ينتقد قانون المالية.. نصف مداخيل الخزينة من الضرائب و9.000 مليار سنتيم للصناديق السوداء

الغريب أنه رغم تفصيل التقرير في الكثير من مداخيل وبعض مصاريف بعض التقارير، وإن كان بشكل فضفاض دون تدقيق أو تفصيل ناهيك عن عدم بيان طريقة تدبير مواردها أو التصرف فيها بشكل مدقق، إلا أنه أحجم مطلقاً عن عرض كل ما يهم حسابات الأمن والدفاع الوطني والدرك الملكي.

وإن قال قائل أن هذه الحسابات تدخل في إطار أسرار الدولة، فلا مبرر ولا معنى بأن يشوبها الشطط وتبديد المال العام، فهي مصاريف مجهولة الحجم والموضوع، وخاضعة  لقرارات ورغبة المديريات المحضة، ويتم تنفيذها في غياب تام لقواعد الشفافية.

وسبق للخبير الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي، أن صرَّح لوكالات إعلامية من تخوف بعض مسؤولي الإدارة المغربية من إدراج بعض الصناديق في الميزانية العامة لخصوصية بعضها، وتحديداً التي تتعلق إما بوزارة الداخلية أو وزارة الدفاع وتهم الشرطة والجيش، لكنه تابع قائلاً بأن “صناديق أخرى ليس لها خصوصية إطلاقاً، لكن عدم وضعها تحت عين الرقابة البرلمانية لا يخرج عن كونه شططاً في استعمال السلطة بسبب الاختلالات في استخدام أموال الصناديق مثل منح علاوات كبيرة خارج إطار قوانين الدولة، ولعل علاوات وزير الاقتصاد والمالية الأسبق صلاح الدين مزوار والخازن العام للمملكة نور الدين بنسودة أبرز مثال على ذلك بعد تسريب وثائق تفيد استفادتهما من علاوات ضخمة يجري تمويلها من طرف صندوق أسود، إذ حصل مزوار على علاوة تبلغ 80 ألف درهم شهرياً، كما حصل الخازن العام للمملكة نور الدين بنسودة شهرياً على 100 ألف درهم“.

من يراقب؟

سنة 2014 وتحت قبة البرلمان، اتفقت فرق الأغلبية والمعارضة على إدراج جميع هذه الصناديق في ميزانية الدولة، لكن الحكومة رفضت الأمر عندما تمت إحالة هذا القانون على الجلسة العامة للتصويت عليه، حيث تم تأجيل الجلسة 3 مرات، ولم تسمح الحكومة بإدراج جميع هذه الصناديق في ميزانية الدولة وإخضاعها للمراقبة البرلمانية، وتمكن المستفيدون من وضع هذه الصناديق من ربح المعركة في النهاية وذلك بعدم إدراج جميع هذه الصناديق في ميزانية الدولة خلال التصويت على القانون المنظم لعملها شهر يوليو 2014 في مجلس النواب.

طالع أيضا  ترانسبارنسي: أزيد من نصف المغاربة يرون أن الفساد يتفاقم

وهو ما خلّف انتقادا واسعا من طرف مختلف الفرق البرلمانية المشكلة للأغلبية والمعارضة، لكن دون أن يكون لذلك أي تأثير يُذكر.

وسنة 2017 كشف تقرير سنوي لـ “المجلس الأعلى للحسابات” عن وجود مجموعة من الاختلالات في طريقة تدبير الحسابات الخصوصية.

وسجل التقرير أن الحسابات الخصوصية للخزينة تشكل جزءا هاما من ميزانية الدولة وتشكل ما يفوق  %20 من مجموع الميزانية، مشيراً إلى أن هذه الصناديق رغم توفرها على أرصدة كبيرة لكنها “غير مستعملة رغم الحاجة الماسة لها في المجالات الاجتماعية كالصحة والتعليم“.

وطالب التقرير وزارة المالية بإجراء دراسة حول أداء الحسابات الخصوصية، بهدف الحد من التداخلات مع الميزانية العامة، والاقتصار على إدراج العمليات المسموح بها في القانون التنظيمي لقانون المالية.

ولكن سريعا ما يطالُ تقارير المجلس الأعلى للحسابات النسيان أو الإهمال، وإن كانت تشير إلى اختلالات كبرى تهم هذه الصناديق، ناهيك عن أن المفتشية العامة للمالية تقوم بدورها بمهمات رقابية لهذه الصناديق وتصدر تقارير تكون موضوعا لاختلالات كبرى، لكن تقاريرها تبقى سرية لدى وزير المالية والوزير المعني، عكس تقارير المجلس الأعلى للحسابات التي تنشر للعموم.

ويرى العديد من الخبراء أن طريقة تدبير هذه الحسابات “غير سليمة ولا تخضع لمبدأ الشفافية“، فكل الدول تعرف تخصيص اعتمادات مالية للطوارئ باعتباره أمراً مشروعاً ومعمولاً به، لكن تحت أعين الشعب ومراقبته، ووفق مسطرة محددة تمر عبر المؤسسة التشريعية، ما يعني أن عدم معرفة المغاربة وجوه صرف أموالهم باباً مشرعاً للفساد وتلاعبا بالمال العام.