تــأطـيـر

انخراطا في سلسلة “حدث استوقفني” التي أطلقتها هيئة تحرير موقع “الجماعة.نت” مشكورة مأجورة إن شاء الله، إسهاما منها في التعريف بشيمه ومحامده صلى الله عليه وسلم خلال شهر الربيع النبوي، ارتأيت أن أتقاسم والقراء الكرام حدثا وقع في خلدي بُعيد قراءة الإعلان؛ حدثٌ يجسد خلقا محوريا في منظومة أخلاقه صلى الله عليه وسلم، إنها الرحمة النبوية في أبلغ صورها، ولا عجب في ذلك والحق سبحانه حصر البعثة المحمدية فيها: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

الحدث

عن سعيد بن المسيب عَنْ أَبِيهِ قَالَ: “لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: “أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ”. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: “أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟”، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: “عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ”. وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. فقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ”. فَأَنْزَلَ اللهُ: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ مخاطبا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ”.

فـي دلالة الحدث

الواقعة حُبلى بالعبر والفوائد، ولعل من أهمها تأثير الرفقة والصحبة، وكيف ترمي بالإنسان في المهالك وترديه متى كانت رفقة سيئة. غير أنه والتزاما بالمنهجية المحددة للسلسلة، أقف عند تفقده صلى الله عليه وسلم لعمه وتتبعه لحالته الصحية على الرغم من زحمة الانشغالات الدعوية في فترة عصيبة بعد انقشاع غُمة الحصار في شعاب مكة، وأقف عند حرصه صلى الله عليه وسلم على إسلام عمه وهو يعالج سكرات الموت، يتودد له أن يُعلن اعتناقه للإسلام: “أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ”.

إن هذا الحرص النبوي على إسلام عمه يجَلّي ما يجيش به القلب النبوي من حب لعمه، بل ولعباد الله جميعا؛ قلب هناؤه وسعادته في هداية الخلق وإقبالهم على الله تعالى مسلمين موحدين، حقيقة أدركها أبو طالب، وقد خبر معدن بن أخيه، وهو يقول فيما يشبه المواساة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ. يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ. لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ”.

رحمة تجاوزت حدود الأواصر العائلية في شخص عمه صلى الله عليه وسلم لما حباه به من حنو ورعاية ودعم ومواساة، لتسع الخلق جميعا، حسبنا دليلا وبرهانا موقفان: أولهما ما ترويه أمنا عائشة رضي الله عنها، أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: “لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليّ ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا”.

وثانيهما ما رواه الإمام البخاري رحمه الله من حديث أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: “كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ،  فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ (أقول: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّار”.

الفائدة المرجو استفادتها

طالع أيضا  حدث استوقفني.. حينما اشتكى الجمل صاحبه لرسول الرحمة

حِرصٌ نبوي ورأفة ورحمة عظيمة قررها القرآن الكريم في قوله جل وعلا: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ، وأكدها صلوات ربي وسلامه عليه في قوله: “لِكُلِّ نَبِىٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِىٍّ دَعْوَتَهُ، وإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ”؛ يجعل اقتداءنا به وإقرارنا برسالته صلى الله عليه وسلم على المحك ليرى كل مؤمن ومؤمنة حظه من هذا الخُلق العظيم ممثلا في الحرص على هداية الناس، كل الناس وتحبيب دين الله لعباده وقاية لهم من نار وقودها الحجارة؛ حرصٌ مبدؤه التهمم بمصير الناس، ووسطه السير فيهم بحال وخلق النبوة، ومنتهاه إماطة الموانع التي تحول دون إقبال الناس على المولى الكريم، وتشوش على سيرهم للقائه على الوجه الذي يرضيه سبحانه.

حرصٌ وتهمم بأحوال أمته صلى الله عليه وسلم يُرجى أن يُـترجم  ــــ يُذكر الأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي في رسالته ــــ إلى “دعوة بالحال قبل المقال، ننشرها بأسلوب الرفق والحكمة والتلطف والتدرج والإقناع حتى تطمئن لها القلوب وتقتنع بها العقول، ولنحذر كل الحذر أن نحيد عن منهاج نبينا في التبليغ، فلا فظاظة ولا غلظة، وإنما هو الرفق واللين والتبشير والتيسير، وعلينا أن نحسن الظن بخلق الله جميعا مهما كانت أخطاؤهم وانحرافاتهم… جعلنا الله جميعا ملاذا آمنا لأمتنا المتعبة المنهكة، ولبلدنا الذي ينخر فيه الفساد، وتهدر فيه كرامة الإنسان. المستضعفون يئنون تحت وطأة الفقر والظلم والقهر…”

فاللهم صل وسلم على النبي الرحمة وشفيع الأمة صلاة وسلاما دائمين متجددين ما تعاقب الليل والنهار، وما صدحت على الأفنان أطيار، وأكرمنا بما أكرمت به عبادك وأولياءك من سعة الصدر وسلامة القلب وصفاء السريرة ومنسوب الصبر والتحمل والاحتساب، واجعل حظنا من أخلاق النبوة وافرا ليكون لنا مرقاة في مدارج الإيمان.

طالع أيضا  حاجة العالم إلى إنسانية محمد صلى الله عليه وسلم

والحمد لله رب العالمين.