عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: (أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْلَمْتَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَعْلِمْهُ. قَالَ: فَلَحِقَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ) 1وفي بعض روايات الحديث: (أعلمه فإنه أثبت للمودة بينكما) 2.

نعم، أعلمه بها، أخبره بأنك تحبه، عبّر له عن حبّك، أنفق من تلك البضاعة القيمة والسلعة الغالية، “قلها له”،” قل له: “إني أحبك في الله”.

“أحبك في الله” هي ذلك الإكسير العجيب الذي يجدد ما ذبل من سنابل علاقاتنا الأخوية، ويحيي ما أرداه الوسواس الخناس من وشائج وروابط في زمن لا حدّ لقسوة الجلادين فيه.

إنها الكلمة التي تحيي أمك وأباك، وتسعد أختك وأخاك،

إنها الجملة التي يخفق لها قلب زوجتك وحبيبتك ورفيقة عمرك،

هي نفسها البلسم الشافي الذي يلطف جوّ بيتك الذي كهربته محن الحياة وعواصفها الهوجاء،

إنها الكلمة التي تضحك طفلك وصغيرتك حينما تقولها لهم وتشعرهم بدفئها،

أرأيت يا أُخي، أرأيت يا أختي، كيف أسس المربي الأعظم لمجتمع العمران الأخوي؟

أرأيتم إليه صلى الله عليه وسلم كيف يتقن فنّ الحب، وفنّ البناء؟

أرأيتم كيف يوجّه هذه العواطف التي منحنا الله إياها لتكون تبعا لرضى الله عز وجل ورضى رسوله صلى الله عليه وسلم لا تبعا لهوى الأنفس؟

أرأيتم كيف نشر ثقافة الحبّ الخالص المنزه عن كلّ تلك الشوائب التي تهبط بالإنسان من علياء وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 3 إلى حضيض التنافس الدنيوي النتن، والتملق الأسن، والمجاملات الزائفة وما وراءها من حمولات الغدر والعداوة والبغضاء أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 4.

في كثير من الأحيان لا يكون المشكل هو غياب الحبّ وانعدامه، إنما يكون المشكل هو عدم قدرتنا على التعبير عن هذا الحبّ لمن نحب؟

طالع أيضا  حدث استوقفني.. حينما اشتكى الجمل صاحبه لرسول الرحمة

فما فائدة وجود الشجر إن لم يعطنا طيب الثمر، وما فائدة وجود الحبّ إن لم يكن له جميل الأثر!

يا أخي، ابتسم بصدق، وعانق بشوق، وعبّر عن حبّك بذوق. فكم من نفس منفوسة تنتظر لمسة في العمق.

الحب الحب! الود الود! أنفق منهما ولا تخشى من ذي العرش إقلالا!

ما ضرّك لو حيي ببوح قلبك إنسان!


[1] رواه أبو داود (رقم/5125)، وصححه النووي في “رياض الصالحين” (183)، وحسنه الألباني في “صحيح أبي داود”.).
[2] رواه ابن أبي الدنيا في “الإخوان” (69).).
[3] سورة الحشر آية 9.).
[4] سورة الحشر آية 11.).