ارتبطت رسائل القيادات في تاريخ الحركات الاجتماعية والسياسية بمنعطفات أو مراحل استثنائية، أو ظروف خاصة كانت تقتضي أن يتم التواصل بهذه الصيغة التي غابت عن مشهدنا السياسي فترة من الزمن، ما دامت الرسائل في زمن التدوين الرقمي، صارت مجتزأة ويومية وفاقدة لتلك الحرارة التي كانت للكلام الذي لا يخرج إلا بعد مخاض ونحت وتقدير يزن العبارة ويتقصّد الإشارة، كما أن  الرسائل المكتوبة غالبا ما تكون مادة للتحليل الداخلي والخارجي، مما يجعلها وثيقة مرجعية في التصور والفهم، ما دامت ذات طبيعة توجيهية توضيحية، أو تأكيدية، أو تحذيرية، أو تحسيسية استشرافية.

فما الذي يمكن فهمه من رسالة السيد الأمين العام لجماعة العدل والإحسان إلى أعضاء الجماعة؟ وهل هناك من رسائل تحملها للرأي العام أيضا رغم أنها موجّهة لأعضاء الجماعة حسب عنوانها وبنائها الخطابي؟

تبدو الرسالة قصيرة وقاصدة، واضحة الغايات والأهداف، ولكن مع ذلك، يمكن النظر إليها من خلال استنباط مجموعة من الملاحظات التي بإمكانها أن تشكل مداخل مهمة لمعرفة أسس الرسالة وأبعادها في هذه المرحلة.

التأصيل:

تجب الإشارة ابتداءً إلى أن الرسالة مؤصّلة تأصيلا عميقا، سواء بإيراد الاستشهادات القرآنية والحديثية، أو من حيث لغتها ذات الحمولة الإحسانية المذكرة بالله الدّالة عليه في كل حين، حتى أن جردا سريعا، يفضي بنا إلى أنّ ذكر الله عز وجلّ قد تخلّلها أكثر من خمسين مرة بالاسم الجليل أو الضمير القدسي، كما أنّها مؤصّلة من الناحية الشكلية أيضا بالإشارة إلى تأريخها العربي: بسلا يوم الاثنين 10 صفر 1442، كما أن توقيت الرسالة دال للغاية، بوصفها تواصلا كتابيا موقّعا بالصفة، وقاصدا بتحديد المرسل إليه والهدف من الرسالة، خاصة في مرحلة حرجة يمرّ بها البلد بسبب جائحة كورونا، كما بسبب غياب الإرادة السياسية والاختلالات البنيوية والرؤيوية التي تعيق حركته وتعطّل بوصلته منذ عشرات السنين.

السياق:

لقد جاءت الرسالة في سياق سياسي مختنق ووضع اجتماعي متأزّم ونذر كارثة اقتصادية يمكن أن تأتي على ما تبقّى من مقومات العيش في هذا البلد لا قدّر الله، ولعلّ الأدوار  التاريخية والوطنية التي ما فتئت الجماعة تعلن أنها نذرت نفسها للقيام بها قد لاح أوانها، إن لم يكن قد حلّ زمنها بالفعل، خاصة في ظل موقف سياسي ثابت ومتزن تبديه الجماعة وتحافظ عليه، رغم الضغوط الهائلة التي تتعرض لها، وحجم الحصار والتضييق الذي يطالها، ولا أدنى، من تلكم الوظائف الأدوار، استيعاب الشباب وتحصينهم من العنف واليأس المدمّر وتأهيلهم لمستقبل الأمّة، بعد أن يتلقوا التربية اللازمة والتحصين الكافي ليتجاوزوا أعطاب سياسة التجهيل والتمييع، وانحرافات فورات الغضب، كي يتحركوا في الواقع بنفس جديد، ورؤية بعيدة المدى، وحس تشاركي حقيقي، ونكران ذات يتعالى على ضيق الإيديولوجيا، ويسمو على ملابسات اللحظات التاريخية الرمادية.

طالع أيضا  بين يدي الحلقات التعريفية بسيدي إبراهيم عدي حميد في ذكرى وفاته الثلاثين

الرعاية الأبوية والمحبّة الأخوية:

إن الانطباع الأول الذي تحمله الرسالة هو كونها تعبير صادق عن أبوّة عميقة، وحرص كبير، ورعاية رحيمة حادبة، ولذلك فقد انطلقت منذ البداية معرّفة بباعثها الأساس، وهو  التعبير عن المحبّة والشوق: “إن هذه الجائحة التي حالت بيننا وبينكم جعلت الشوق يزداد إلى اللقاء بكم ومجالستكم”، في تأكيد على أن المحبّة هي فعلا تلك اللحمة الجامعة التي ينبغي أن تسود بين أعضاء الجماعة، وبينهم وبين قيادتهم، وهي الأساس الذي يجب البناء عليه والتعويل على عمقه وتماسكه وقوته التي لا تقهر، وتلك هي ثمار التربية التي تتغيّاها الجماعة وتعطيها الأولوية في كل الأهداف والبرامج والمجالس، ولهذا، لا يمكن للملاحظ النبيه أن يغفل الإشارة إلى أولوية الأمر التربوي وهيمنته على الرسالة، سواء من خلال إيراده على رأس البرامج التي تحظى بالاهتمام والمتابعة، أو لكون الرسالة أساسا ذات منحى تربوي ما دامت توجيها من القيادة إلى الصف الداخلي، في جماعة يُعرف عنها عمقها الإحساني، الذي يوازي شقها العدلي ويسنده ويرشّده، انطلاقا من الشعار الذي يعبّر عن الوظيفتين والغايتين معا: “العدل والإحسان”.

التواصل والشورى:

كما أن الرسالة تعلن هدفها العام بوضوح، وهو هدف تواصلي بالأساس: “أكتب إليكم هذه الكلمات علَّها تنوب عن تواصل الأشباح”، وهي أيضا تعبير واضح عن التقدير الكبير، من خلال الإعجاب بالأنشطة المنظمة والإفصاح عن كونها “تثلج الصدر، وتبعث على الاطمئنان”، ولهذا رأينا التنويه بالجهود والاهتمام الكبير  والمتابعة الشغوفة.

كما تجب الإشارة إلى الإلماح الشوري وأهمّيته في إعطاء الرسالة نَفَسا تنظيميا، يتعلّق بجسم الجماعة ككل، وبقيادتها العليا المتمثّلة في مجلس الإرشاد، لكون الرسالة، ركّزت اهتمامها في الإعلان عن شعار السنة وشرح دواعيه وأهدافه: “إن إخوانكم في مجلس الإرشاد قد اقترحوا”.

شعار السنة: التوبة والقرآن

لقد طرحت الرسالة نوعا من التشخيص العام للوضع في المغرب انطلاقا من التقييم الإيماني الأخلاقي، بإشارتها إلى أن الزمن الحالي هو “زمن التقلبات والتحولات والاضطرابات، يعج بالمنكرات والمغريات والملهيات والشبهات والشهوات”، وبالتالي كانت التوصية بالثبات والصبر مُنْبِئَة عن قراءة منهاجية لهذا الواقع، تعترف ببلوغه درجة من الفتنة غير مسبوقة، وتدرك مخاطره وآثاره. وقد حذّرت الرسالة من أي تهاون أو انغماس في الوضع الموبوء، وهو ما مهّد للحديث عن شعار السنة: “التوبة والقرآن”، بوصفه تركيزا للأهداف والبرامج، وعنوانا لروح العمل خلال هذه الفترة:

التوبة:

وهي صفة لازمة لأي مؤمن صادق أو مؤمنة صادقة، في بعدها الفردي، ولذلك جاء تنبيه الأفراد وتحذيرهم من الذوبان والانسلاخ: “فلا يأمن أحدنا على سلامة دينه وهو يسبح في أمواج هذه الفتن المتلاطمة، إن لم تكن قدماه راسخة في أرض العبودية”. لكنّ الأمر إذا انتقل من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي، تصبح التوبة حينها عزمة تدبير جماعي أيضا، وليست مجرد نيات فردية معزولة، وإن كان منطلقها تلك النيات والضمائر: “إن انغماسنا في هذه البيئة الموبوءة يوشك أن يسلب منا إيماننا إن لم نتعهد أنفسنا بالمراقبة والمحاسبة والتوبة الدائمة. فعلينا جميعا أن نسائل أنفسنا كل حين كيف هي حالنا مع الله؟”.

طالع أيضا  8 ماي المجيدة في التاريخ خالدة.. ذكريات تلميذ مشارك

وفي هذا السياق تم طرح خمسة عشر سؤالا استفهاميا متعلقا أساسا بالعلاقة مع الله سبحانه وتعالى، وكيف يمكن أن يتحقق ذلك الارتباط السامي المتين بين العبد وربّه، حتى تحصل العبودية الحقة لله تعالى، وترسخ الاستقامة على رجاء حسن الخاتمة. وليست التوبة هنا معنىً محصورا في الندم على الذنوب والإقلاع عنها، بل هي مفهوم متحرك يرافق سير المؤمن والمؤمنة إلى الله تعالى، وسيرهما في سعيهما الأرضي نصرةً للحق ومدافعةً للباطل، ولهذا فإن التوبة المقصودة لا بد أن تكون “توبة نصوحا صادقة، توبة متجددة إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، توبة إحسانية تنقلنا نقلا تدريجيا من التوبة من الزلات إلى التوبة من الغفلات إلى التوبة من رؤية الحسنات”.

القرآن:

“لماذا القرآن؟” يتساءل السيد محمد عبادي، ويجيب قائلا: “لأن القرآن عليه مدار حياتنا، هو روحنا الذي به نحيا حياة الإيمان”. كما أن عزمة حفظ القرآن والارتباط به نابعة من مفهوم الصحبة وارتباط قلب العضو بالمصحوب، ولهذا جاء التذكير بالعهود والمواثيق والعزمات التي تعهّد بها الأعضاء قيد حياة الإمام المجدد رحمه الله وبين يديه: “المرجو أن ينخرط الجميع في هذا الخير تنفيذا لوصايا الإمام”.

وقد نبّهت الرسالة إلى مسألة غاية في الأهمية بالنسبة لحفظ القرآن الكريم، وهي التي تتعلّق باقتران الحفظ بالسلوك، والقرآن بالأخلاق والمعاملات، ومن ثمة وجب التنبيه إلى شمولية الحفظ ومعناه العميق الكامل: “نريده حفظا كاملا يشمل مبانيه ومعانيه”.

ومن هذه الزاوية بالضبط ترتبط التوبة بالقرآن، “فالمحافظة على مجالسنا التربوية وعلى تجديد التوبة لمما يطهر القلوب ويهيئها لتشرب أسرار القرآن وروحانيته ونورانيته، فيصطبغ المومن والمومنة بصبغته فيزداد شغفا ونهما وإقبالا على تلاوته”، كما أن هوية الجماعة الدعوية تقتضي منها الاستناد إلى القرآن، روحا ومعنى، سلوكا ودعوة، ف“لا ننسى أننا حملة دعوة، وزاد الدعوة هو القرآن”.

الشعار والدعوة:

لقد ذكّرت الرسالة بالمهمة الأساسية للجماعة، وهي الدعوة إلى الله تعالى، وهي دعوة لها خصائصها ومميزاتها، كما أن لها محاذيرها ومزالقها أيضا، فهي: “دعوة بالحال قبل المقال، ننشرها بأسلوب الرفق والحكمة والتلطف والتدرج والإقناع حتى تطمئن لها القلوب وتقتنع بها العقول، ولنحذر كل الحذر أن نحيد عن منهاج نبينا في التبليغ، فلا فظاظة ولا غلظة وإنما هو الرفق واللين والتبشير والتيسير، وعلينا أن نحسن الظن بخلق الله جميعا مهما كانت أخطاؤهم وانحرافاتهم”.

ولذلك يمكن فهم الغاية الدعوية الاستراتيجية التي ترومها الجماعة بهذا الإلحاح على الانضباط السلوكي والإخلاص في الحركة، وهي أن تكون الجماعة ملاذا دعويا وتربويا وسياسيا حقيقيا، وليس مجرد شعارات تحملها وادعاءات تلوكها، وهذا ما تبرزه بجلاء العبارة التالية: “جعلنا الله جميعا ملاذا آمنا لأمتنا المتعبة المنهكة، ولبلدنا الذي ينخر فيه الفساد، وتهدر فيه كرامة الإنسان”.

طالع أيضا  ذ. عبادي: المؤسسات الرسمية تابعة والشعب الآن يدافع عن نفسه

التشخيص العام وضرورة التحرك:

لم تتوان الرسالة في تشريح الواقع المغربي وتقديم تشخيص دقيق ومركز للأوضاع المتردية، فالوطن “ينخر فيه الفساد، وتهدر فيه كرامة الإنسان. المستضعفون يئنون تحت وطأة الفقر والظلم والقهر، والفاحشة في ازدياد مطرد، لا يكاد يمر يوم دون أن تصدمنا وسائل الإعلام بأخبار الجريمة بمختلف صورها. مؤسساتنا التعليمية والإعلامية ومستشفياتنا ومحاكمنا وإداراتنا تعيش أوضاعا مزرية بما تعرفه من الإهمال والمحسوبية والرشاوي وسوء التدبير. تيارات الهدم والإفساد تمهد لها سبل الهيمنة والتمكين، شبابنا يفرون في قوارب الموت نحو المجهول، فإذا كتب لبعضهم السلامة خروا ساجدين شكرا لله أن نجاهم من جحيم الوطن، أصوات الغيورين الذين يدقون ناقوس الخطر تقمع ويزج بأصحابها في غيابات السجون، والمستكبرون ممن في أيديهم زمام الأمور في طغيانهم يعمهون”.

وعلى هذا الأساس، تزداد ملحاحية الدعوة إلى التحرّك، وتزداد صوابية ووجاهة والتكتّل، من أجل التدخل والإنقاذ، ولهذا أيضا، كانت الرسالة واضحة، إلى كل من يهمهم الأمر من أبناء هذا الوطن، وفعالياته ومكوناته، ذلك أن “واقعنا ينادينا بلسان الحال أن تحركوا وضعوا أيديكم في أيدي كل الصادقين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. إنه وضع متأزم يحتاج إلى جهود مختلف مكونات المجتمع للوقوف في وجه هذا الطوفان الذي لا قدر الله سيغرقنا جميعا”.

وصايا جامعة:

ولعلّ الأمر اقتضى، بعد دعوة المكونات الوطنية إلى الوعي بخطورة المرحلة وضرورة التحرك العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أن يتم بث مجموعة من الوصايا العامة الجامعة، بوصفها توجيهات إلى أعضاء الجماعة ومحبيها والمتعاطفين معها بشكل أساسي، وهي وصايا ذات طابع سياسي في ظاهرها، لكنّها لا تُخْفِي عمقَها التربوي والإحساني بحرصها على ربط الحركة بالنية، والدنيا بالآخرة، والعبد بربّه سبحانه وتعالى، ولذلك أمكن عرضها كما هي، بعد عزلها من الصيغة العامة المترابطة كالآتي، (ويمكن التصرف في ترتيبها، واعتبارها ركائز توجيهية للمرحلة بشكل عام):

–          الوعي بالخطر المحدق بالبلد: “سفينتنا أوشكت على الغرق”.

–          المبادرة والريادة: “فلنبادر إلى الإنقاذ”، “كونوا في الطليعة”.

–          الصبر والثبات والاستعانة بالصلاة والقرآن: “اصبروا وصابروا ورابطوا على كل الثغور متسلحين بالقرآن ومستعينين بالصبر والصلاة”.

–          وضوح الموقف والشجاعة  في عرض الرأي: “اصدعوا بالحق ولا تخافوا لومة لائم”.

–          تصحيح القصد وتجديد النية: “وليكن قصدنا جميعا إرادة وجه الله الكريم”.

–          الثقة في الله تعالى واليقين في موعوده: “واعلموا أن العاقبة للمتقين”.