وجّه فضيلة الأمين العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد عبادي رسالة إلى أعضاء الجماعة، مشيدا بأنشطتهم الدعوية المتنوعة التي نظموها عن بعد في ظل الحجر الصحي، ومخبرا بالشعار الذي رفعته الجماعة خلال السنة الدعوية الجديدة “التوبة والقرآن”.

وأوضح الأمين فضل التوبة وأولويتها وأهميتها “إن الإلحاح على ملازمة التوبة والمداومة عليها أصبح من أوجب الواجبات”، محذرا من أن الانغماس في الواقع المفتون الموبوء دون زاد وبوصلة “يوشك أن يسلب منا إيماننا إن لم نتعهد أنفسنا بالمراقبة والمحاسبة والتوبة الدائمة”.

وجوابا عن سؤال لماذا القرآن؟ بيّن الأستاذ عبادي لأن “عليه مدار حياتنا”، ولأنه “روحنا الذي به نحيا حياة الإيمان”، مذكرا بـ“العهود والمواثيق التي ألزمنا بها أنفسنا في مجالسنا مع الإمام رحمه الله ألا نغادر هذه الدنيا إلا وقد حفظنا كتاب ربنا “وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم””.

وبعد أن ذكر بالوضع السياسي والاجتماعي المختنق بفعل التسلط والفساد، ختم رسالته بدعوة أعضاء الجماعة إلى العمل والمثابرة والصبر والمصابرة “سفينتنا أوشكت على الغرق فلنبادر إلى الإنقاذ. كونوا في الطليعة، اصبروا وصابروا ورابطوا على كل الثغور متسلحين بالقرآن ومستعينين بالصبر والصلاة، اصدعوا بالحق ولا تخافوا لومة لائم، وليكن قصدنا جميعا إرادة وجه الله الكريم واعلموا أن العاقبة للمتقين”.

فيما يلي نص الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إخواني أخواتي أبناء وبنات العدل والإحسان سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

وبعد،

إن هذه الجائحة التي حالت بيننا وبينكم جعلت الشوق يزداد إلى اللقاء بكم ومجالستكم. فقد كانت الزيارات لأقاليمكم ومناطقكم التي تعودنا عليها كل سنة تطفئ لهيب الشوق، وكنا نخرج منها  بروحانية عليا وبعزيمة قوية على المضي في تحقيق شعارنا الخالد “العدل والإحسان” الذي هو مشروع الأمة كلها لورود الأمر به في كتاب الله تعالى.

أكتب إليكم هذه الكلمات علَّها تنوب عن تواصل الأشباح، أما تواصل الأرواح فهو حاصل ولله الحمد والمنة عبر دعاء الرابطة الذي ينبغي أن نحافظ عليه جميعا.

أود في البداية أن أنوه بأنشطتكم الدعوية التي وفقكم الله إليها في ظل الحجر الصحي، فقد كنت أتابع بشغف مجالسكم التربوية، وتدويناتكم، ومقالاتكم، وبياناتكم، وندواتكم التي كانت تثلج الصدر، وتبعث على الاطمئنان أن الجماعة إلى خير ورشد بإذن الله، لا يفت في عضدها ما تتعرض له من اضطهاد ومضايقات.

 زادكم الله ثباتا وتأييدا وسدادا وتوفيقا.

طالع أيضا  العدل والإحسان شعار وبرنامج

أحبتي في الله، إن إخوانكم في مجلس الإرشاد اقترحوا أن يكون شعارنا لهذه السنة “التوبة والقرآن”.

لماذا التوبة؟ ولماذا القرآن؟

إن الإلحاح على ملازمة التوبة والمداومة عليها أصبح من أوجب الواجبات، لأننا في زمن يصدق عليه قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: “يصبح الرجل فيها، أي الفتن، مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا”. رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

 إنه زمن التقلبات والتحولات والاضطرابات، يعج بالمنكرات والمغريات والملهيات والشبهات والشهوات، فلا يأمن أحدنا على سلامة دينه وهو يسبح في أمواج هذه الفتن المتلاطمة، إن لم تكن قدماه راسخة في أرض العبودية، منطرحا بين يدي الله تعالى آناء الليل وأطراف النهار، متذللا منكسرا مخبتا منيبا.

إن انغماسنا في هذه البيئة الموبوءة يوشك أن يسلب منا إيماننا إن لم نتعهد أنفسنا بالمراقبة والمحاسبة   والتوبة الدائمة. فعلينا جميعا أن نسائل أنفسنا كل حين كيف هي حالنا مع الله؟ هل حققنا الغاية التي من أجلها خلقنا؟ هل أحببنا الله فيحبنا الله؟ هل ذكرناه فيذكرنا؟ هل نحن راضون عن الله فيرضى عنا؟ هل نحافظ على حدوده وأوامره؟ كيف هو تعاملنا مع خلق الله جميعا: الوالدان والأزواج والأبناء…. هل يطبعه الإحسان أم الغلظة والجفاء وسوء الخلق؟ هل نراعي شرع الله في معاملاتنا المادية كسبا وإنفاقا واستثمارا أم هو تخبط السفهاء؟ أين نقضي أوقات فراغنا؟ في التسكع في دروب الفضاء الأزرق بلا ضوابط ولا كوابح؟ كيف نستقبل أقدار الله تعالى المتصرفة فينا وفي خلقه؟ بالصبر والرضى أم بالسخط والغضب؟ هل نسعى إلى تطهير أنفسنا من العجب والكبر والأنانية وسائر الأمراض المهلكة استعدادا للقاء الله بقلب سليم؟ بأي عمل وبأي وجه نلقاه سبحانه إن باغتتنا المنية ونحن في الغفلة سادرون؟

لنبادر أحبتي إلى التوبة مما نعلمه ومما لا نعلمه، ولتكن توبتنا توبة نصوحا صادقة، توبة متجددة إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، توبة إحسانية تنقلنا نقلا تدريجيا من التوبة من الزلات إلى التوبة من الغفلات إلى التوبة من رؤية الحسنات، حسب تعبير سلطان العلماء العز بن عبد السلام. فلا نرى لأنفسنا فضلا ولا مزية وما بكم من نعمة فمن الله.

بهذه التوبة ننال مقام المحبوبية، وبها يبدل الله سيئاتنا حسنات، وبها يفيض علينا من أرزاقه المادية والمعنوية، وبها يكون لنا حظ من متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”. وبها أيضا نكون قد امتثلنا لوصيته التي وصى بها صاحبه سيدنا أبا بكر رضي الله عنه حيث أمره أن يقول في كل صلاة “اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك إنك أنت الغفور الرحيم” كما ورد في الصحيح. ولا يصح انتماؤنا لهذه الجماعة إلا بها، فالإمام رحمه عرف الجماعة بقوله: “نحن جماعة نتوب إلى الله وندعو الناس أن يتوبوا معنا إلى الله”. وإلا يبقى انتماؤنا دعوى لا برهان عليه.

طالع أيضا  جماعة العدل والإحسان تعزي في وفاة الشيخ عباسي مدني

لماذا القرآن؟ لأن القرآن عليه مدار حياتنا، هو روحنا الذي به نحيا حياة الإيمان، فقد سماه الله روحا وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا… الآية. ودعا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الله أن يجعله ربيع قلوبنا، والربيع هو المطر، فكما أن المطر تحيا به الأرض فكذلك القرآن تحيا به القلوب، وهو مصدر عزتنا وشرفنا، وإنه لذكر لك ولقومك. لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم… أي مجدكم وفخركم، وهو سبيل فوزنا برضى ربنا دنيا وأخرى، وهو نور وشفاء و رحمة وهدى، فيه كفاية وغنية عن كل منهج ونظام، أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم، به نهتدي ونرتقي “اقرأ وارق”، وبه نجاهد جهاد البرهان والحجة وجاهدهم به جهادا كبيرا.

ولنتذكر أحبتي العهود والمواثيق التي ألزمنا بها أنفسنا في مجالسنا مع الإمام رحمه الله ألا نغادر هذه الدنيا إلا وقد حفظنا كتاب ربنا وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم. الإقبال موجود على كتاب الله من المؤمنين والمؤمنات ولله الحمد ولكن القناعة من الله حرمان فالمرجو أن ينخرط الجميع في هذا الخير تنفيذا لوصايا الإمام. غير أن الاقتصار على حفظ النصوص دون مراعاة أوامره ونواهيه قد يكون حجة علينا “القرآن حجة لك أو عليك”. نريده حفظا كاملا يشمل مبانيه ومعانيه. وقد هيأ الله لنا في جماعتنا المباركة البيئة المناسبة والمعينة على هذا الحفظ الشمولي. فالمحافظة على مجالسنا التربوية وعلى تجديد التوبة لمما يطهر القلوب ويهيئها لتشرب أسرار القرآن وروحانيته ونورانيته، فيصطبغ المومن والمومنة بصبغته فيزداد شغفا ونهما وإقبالا على تلاوته. رضي الله عن سيدنا عثمان الذي قال “لو صفت نفوسنا ما شبعت من كلام ربنا”.

لا ننسى أننا حملة دعوة، وزاد الدعوة هو القرآن، نمشي بنوره في الناس. والدعوة هي الدعاية التي تعني عرض البضاعة وتزيينها لتحبيبها للناس، نعرضها متجسدة في سمتنا وسلوكنا ومعاملاتنا، دعوة بالحال قبل المقال، ننشرها بأسلوب الرفق والحكمة والتلطف والتدرج والإقناع حتى تطمئن لها القلوب وتقتنع بها العقول، ولنحذر كل الحذر أن نحيد عن منهاج نبينا في التبليغ، فلا فظاظة ولا غلظة وإنما هو الرفق واللين والتبشير والتيسير، وعلينا أن نحسن الظن بخلق الله جميعا مهما كانت أخطاؤهم وانحرافاتهم “من قال هلك الناس فهو أهلكهم” وإنه المقت والخزي أن تكون أقوالنا مخالفة لأفعالنا كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. أعاذنا الله من ذلك.

طالع أيضا  ربح البيع أيها العامري الأرقمي

جعلنا الله جميعا ملاذا آمنا لأمتنا المتعبة المنهكة، ولبلدنا الذي ينخر فيه الفساد، وتهدر فيه كرامة الإنسان. المستضعفون يئنون تحت وطأة الفقر والظلم والقهر، والفاحشة في ازدياد مطرد، لا يكاد يمر يوم دون أن تصدمنا وسائل الإعلام بأخبار الجريمة بمختلف صورها. مؤسساتنا التعليمية والإعلامية ومستشفياتنا ومحاكمنا وإداراتنا تعيش أوضاعا مزرية بما تعرفه من الإهمال والمحسوبية والرشاوي وسوء التدبير. تيارات الهدم والإفساد تمهد لها سبل الهيمنة والتمكين، شبابنا يفرون في قوارب الموت نحو المجهول، فإذا كتب لبعضهم السلامة خروا ساجدين شكرا لله أن نجاهم من جحيم الوطن، أصوات الغيورين الذين يدقون ناقوس الخطر تقمع ويزج بأصحابها في غيابات السجون، والمستكبرون ممن في أيديهم زمام الأمور في طغيانهم يعمهون.

واقعنا ينادينا بلسان الحال أن تحركوا وضعوا أيديكم في أيدي كل الصادقين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. إنه وضع متأزم يحتاج إلى جهود مختلف مكونات المجتمع للوقوف في وجه هذا الطوفان الذي لا قدر الله سيغرقنا جميعا.

سفينتنا أوشكت على الغرق فلنبادر إلى الإنقاذ. كونوا في الطليعة، اصبروا وصابروا ورابطوا على كل الثغور متسلحين بالقرآن ومستعينين بالصبر والصلاة، اصدعوا بالحق ولا تخافوا لومة لائم، وليكن قصدنا جميعا إرادة وجه الله الكريم واعلموا أن العاقبة للمتقين.

أخوكم محمد عبادي يسألكم الدعاء.

وحرر بسلا يوم الاثنين 10 صفر 1442

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته