في شريط جديد بثته  قناة الشاهد الإلكترونية، قال الأستاذ محمد حمداوي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان إن النصيحة في ديننا “قرينة الصلاة والزكاة“، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ البيعة عليها.

فعن سيدنا جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه  قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم والرواية في صحيح البخاري وعند مسلم أيضاً. وفي رواية إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ، فَشَرَطَ عَلَيَّ: “وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ”، فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا.

والنصيحة في ديننا -يضيف الأستاذ حمداوي- هي ضد الغش في كل أنواع المعاملات الاجتماعية. الغش الذي أصبح الآن العملة الرائجة، فقلّ الأمناء وقلّ الصالحون في كل المجالات.

سيدنا جرير بن عبد الله صاحب الحديث أرسل غلاماً له مرةً ليشتري له فرساً، فذهب غلام جرير إلى السوق فوجد فرساً أعجبه، فأخذ يساوم صاحبه حتى وصل إلى ثلاثمائة درهم، وكان الفرس يستحق أكثر من ذلك، لكن الغلام (فطن)، فاتفقوا على السعر وذهب الرجل والغلام بالفرس إلى جرير، فقال له جرير: بكم اشتريت الفرس؟ قال: بثلاثمائة درهم، فقال جرير لصاحب الفرس: يا صاحب الفرس! فرسك يساوي خمسمائة، فاستاء الغلام جداً من هذه الكلمة، فقال الرجل: رضيت! قال: يساوي ثمانمائة درهم، فقال له: رضيت! وأعطاه الثمانمائة درهم وأخذ الفرس. فقال الغلام: ما هذا؟ فقال جرير : “يا بني! إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم!”.

وتابع المتحدث بقوله إن النصيحة في ديننا تغطي كل المجالات؛ الفردية والأسرية والجماعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. فالنصيحة مثلا في الحياة الزوجية حوار هادئ، وكلمات رقيقة وملاحظات لطيفة، وإنصاف رحيم ودعاء بظهر الغيب مع تقدير الفوارق والاختلافات الفطرية والشخصية، وتلك المرتبطة بتنوع العادات والتقاليد، مع البعد عن العناد وعن المراء وعن الأنانية والتصعب للرأي. وعند الخلاف يستشار الثقة الحكيم ذو الخبرة الحريص على جمع القلوب وجمع الشمل، المذكّر بالله وبالاستعانة بالصبر والصلاة.

طالع أيضا  أطايب الكلام

والحذر من استشارة كل من هبّ ودب، خصوصاً في زمن ادّعى فيه كثير من الناس إتقان الخبرة والاستشارة في كل شيء، وهناك أمثلة لأسر شتتها أدعياء. 

وقد استغل أعداء الأمة، يقول القيادي في الجماعة، مسألة الاستشارات في تقديم نصائح باطلة، دخلوا من باب الاستشارات عبر المؤسسات والجمعيات الدولية فقدموا نصائح سيئة جداً لأفراد من مجتمعاتنا وللجمعيات وللمؤسسات وللسلطة الحاكمة أيضاً، في مجالات متعددة؛ اقتصادية وسياسية واجتماعية وأخلاقية. لهذا فإنه لا يجوز لحاكم مسلم ولا لفرد من الأمة ولا لجمعية أن يقبلوا نصائح وتوجيهات ضد مصلحة الوطن وضد سيادته واستقلاله، وضد مصالح الشعب، وضد هوية ودين الأمة ومقدساتها.

والمفروض أن تكون مثل هذه النصائح موضوع تشاور وتداول حر مسؤول بين الخبراء الناصحين الأمناء من أبناء الوطن، من مختصين ومستشارين وبرلمانيين وعلماء وقانونين وغيرهم من الكفاءات المخلصة للأمة.

وأورد حمداوي نصيحة إمام دار الهجرة مالك بن أنس لهارون الرشيد والتي جاء فيها: “أما بعد، فإنِّي أكتُبُ إليكَ بكتابٍ لَمْ آلُكَ فيه رُشْداً، ولم أدَّخِرْ فيه نُصْحا، تحميداً لله وأدباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتَدَبَّرْهُ بعقلِك وَرَدِّدْ فيه بصرَك وأَرْعِهِ  سَمْعَك، ثُمَّ اعْقِلْهُ بقلبِك وأحْضِرْهُ فهمَك، ولا تُغَيِّبَنَّ عنه ذهنَك. فإن فيه الفَضْلَ في الدنيا وحُسْنَ ثوابِ الله تعالى في الآخِرَةِ، واللهَ أسألُ لنا وَلَكَ التوفيقَ.

اُذْكُرْ نفسَك في غَمَراتِ الموت وكَرْبِه، وما هو نازلٌ بِكَ منه، وما أنتَ مَوْقوفٌ عليه بعدَ الموتِ مِنَ العَرْضِ على الله سبحانه، ثم الحسابِ ثم الخلودِ بعد الحسابِ، وأَعِدَّ لله عز وجل ما يُسَهِّلُ به عليكَ أهوالَ تلك المَشاهِدِ وكُرَبَها؛ فإنك لو رأيتَ أهلَ سَخَطِ الله تعالى وما صاروا إليه منْ أهوالِ العذابِ وشِدَّةِ نِقْمَتِه عليهم، وسمِعتَ زفيرَهم في النارِ وشَهيقَهم مع كُلوحِ وجوهِهِم وطولِ غمِّهم، وتَقَلُّبِهم في دَرَكاتِها على وجوهِهِم لا يَسْمعون ولا يُبْصِرون، ويَدْعُون بالوَيْلِ والثُّبُورِ، وأعظمُ من ذلك حسرةً وبَلِيَّةً عليهم إعراضُ الله تعالى عنهم، وانقطاعُ رَجائِهم، وإجابتُه إيَّاهُمْ بعد طولِ غَمِّهم ودوامِ حُزْنِهم بقوله: “قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ“.

طالع أيضا  د. الهلالي يبسط دلالات وفضل إماطة الأذى عن الطريق (فيديو)

وختم متحدثا عن أساليب النصيحة التي لا تعني الفضح أو التشهير بالمنصوح أو التأليب، وإنما تُقدّم باللطف وحسن الكلام، وهذه نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم للذي تكلم في صلاته في المسجد: “إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ“، فقال الرجل “فوالله ما قهرني ولا ضربني ولا شتمني“.

 وأشار المتحدث إلى أنه لا بد من التدرج في قوة النصيحة، حسب سياقها وظروفها، إذا كان التمادي في الغي والضرر، فالله تعالى قال لسيدنا موسى لما أرسل في البداية إلى فرعون: “فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ” لكن لما طغى فرعون وتجبّر قال له سيدنا موسى: “وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا“. أي هالكاً.