قال مولانا عز وجل في سورة البقرة:

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115).

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا.

قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في فتح القدير:

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ فِيهِ أَبْلَغُ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّ هَذَا الظُّلْمَ مُتَنَاهٍ، وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَهُ سَائِرُ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، أَيْ: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ، (…) وَقِيلَ إِنَّ التَّقْدِيرَ: مِنْ أَنْ يُذْكَرَ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ لِطُولِ الْكَلَامِ وَقِيلَ: إِنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ مَنَعَ وَالْمُرَادُ بِمَنْعِ الْمَسَاجِدِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ مَنْعُ مَنْ يَأْتِي إِلَيْهَا لِلصَّلَاةِ، وَالتِّلَاوَةِ، وَالذِّكْرِ، وَتَعْلِيمِهِ. وَالْمُرَادُ بِالسَّعْيِ فِي خَرَابِهَا: هُوَ السَّعْيُ فِي هَدْمِهَا، وَرَفْعِ بُنْيَانِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَرَابِ: تَعْطِيلُهَا عَنِ الطَّاعَاتِ الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا، فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْ قَوْلِهِ: أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ مَا يُمْنَعُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي بُنِيَتْ لَهَا الْمَسَاجِدُ، كَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمِهِ، وَالْقُعُودِ لِلِاعْتِكَافِ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، مِنْ بَابِ عُمُومِ الْمَجَازِ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ .”

قيل المقصود بالآية قُرَيْشًا حين مَنَعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الصَّلَاةَ عِنْدَ الكعبة فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وقيل هُمُ الرُّومُ، كَانُوا ظَاهَرُوا بُختنصر عَلَى خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وقيل هُمُ الْمُشْرِكُونَ حِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبَيْتِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. لكن اللّفظ أعمُّ من هذا التخصيص. ولذلك قال الشيخ سيدي أحمد ابن عجيبة -رحمه الله تعالى- في البحر المديد: “يقول الحق جلّ جلاله: لا أحَد أكثرُ جُرْماً ولا أعظم ظلماً مِمَّنْ يمنع مَساجِدَ اللَّهِ من أَنْ يُذْكَرَ اسم الله فيها، جماعة أو فرادى، في صلاة أو غيرها، وَسَعى فِي خَرابِها حيث عطل عمارتها، أُولئِكَ ما كانَ ينبغي لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إلا بخشية وخشوع، فكيف يجترئون على تخريبها؟ (…). وهذه الآية- وإن نزلت في الكفار- فهي عامة لكل من يمنع الناس من الذكر في المساجد، كيفما كان قياماً أو قعوداً، جماعة أو فرادى. والله تعالى أعلم.”

وذهب الشهيد سيد قطب -رحمه الله تعالى- في الظلال إلى أن إطلاق النص يفيد عموم الحكم: “وأقرب ما يتوارد إلى الخاطر أن هاتين الآيتين تتعلقان بمسألة تحويل القبلة وسعي اليهود لصد المسلمين عن التوجه إلى الكعبة.. أول بيت وضع للناس وأول قبلة.. وهناك روايات متعددة عن أسباب نزولهما غير هذا الوجه.. وعلى أية حال فإن إطلاق النص يوحي بأنه حكم عام في منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، والسعي في خرابها. كذلك الحكم الذي يرتبه على هذه الفعلة، ويقرر أنه هو وحده الذي يليق أن يكون جزاء لفاعليها.”

ولله درّ الراغب الأصفهاني، فقد فصّل في الألفاظ وتفنّن في ذكر المعاني: “المنع، أن يحال بين من المراد ومريده، ولما كان الشيء قد يمنع ضناَ به صار المنع متعارفاً في المتنافس فيه، والسعي مشي بسرعة، وهو دون العدو، وخص بأنواع من السعي منها: السعاية، أي الوشاية وسعي العبد في اكتساب ما يعتق به والتصرف، للتكسب، ولجباية الصدقة حتى صار الساعي معروفة في جابي الصدقة، وجعل المساعدة كناية عن الفجور بالأمة والخراب ضد العمارة، وجعل الخربة لسعة خرق الأذن تشبيها بالخراب، وشبه عروة المزادة بها، فقيل خربة، والخارب: السارق لتخريبه، أو لكونه سكاناً في خراب متوحشاً عن الناس، فيكون بنائه كباد وحاضر، وقيل: هو مخصوص بسارق الإبل خاصة”.                                                                                                                                  وعلى هذا ف مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ تعني الحيلولة دون المؤمنين ودون مرادهم في إجابة داعي ربهم “حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح”…

تعني الحيلولة دونهم ودون بيوت بنيت بإذن من الله، ورفعت بإذن من الله، وجعلت لأجل أن يذكر فيها اسم الله باستمرار، ويشعر فيها عمّارها بالطمأنينة والاستقرار…

طالع أيضا  على ضفاف آيات

تعني الحيلولة دونهم ودون ما أودعه الله فيها من أسرار، وما أطلقه منها من أنوار، تنير للناس طريقهم في عالم أظلم لمّا انطفأت سرج المساجد وأبعد الدعاة، والأئمة الهداة…

وَسَعَى فِي خَرَابِهَا، يعني مشى مشيا حثيثا بالوشاية المغرضة، والهدف الدنيء، والنية السيئة المبيّتة قصد تخريب بنيانها، وطمس معالمها، بل ومحو آثارها – إن استطاع ولم يجد منعة من المؤمنين – كما فُعل بالأمس، وكما يحدث اليوم هنا وهناك في بلاد المسلمين. أو اللجوء إلى منع عمارتها، وحبس زوارها، وصرفها عن رسالتها التي بنيت لأجلها- إن حيل بينهم وبين الهدم المباشر-.

ويقول الراغب الأصفهاني –رحمه الله تعالى- كلاما نفيسا، عيب أن نتركه حبيسا: “وعظّم تعالى ظلم من سعى في المنع من ذكر الله وتخريب الأمكنة المختصة بأهل الشرائع المحقة مسجدا كان أو غير مسجد، وليس التخريب الهدم فقط، بل تعطيله عن عبادة الله – عز وجل-. وقول ابن عباس ومجاهد: إنه عني به الروم إذ خربوا بيت المقدس، وقول غيره إنه عني “بخت نصر” لما خربه، وقول من قال: إنما عني به المشركون إذ صدوا النبي عليه السلام عن المسجد الحرام، وكل ذلك أمثلة منهم لحكمه وسبب نزول هذه الآية لا أنه لم يرد بها غير ذلك، يبين ذلك أنه قال: مساجد بلفظ الجمع” ولقد أفاد الإمام برهان الدين البقاعي وأجاد في “نظم الدرر في تناسب الآيات والسور” حيث قال: “ولما اشتركت جميع هذه الفرق في الظلم وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة المسجد الحرام بما يرضيه من القول والفعل فازدادوا بذلك ظلماً آخر وكان من منع مسجداً واحداً لكونه مسجداً مانعاً لجميع المساجد قال: {ومن أظلم} أي منهم، وإنما أبدل الضمير بقوله: {ممن منع مساجد الله} أي «الجامع لصفات الكمال التي هي جنان الدنيا لكونها أسباب الجنة التي قصروها عليهم، ثم أبدل من ذلك تفخيماً له تذكرة مرة بعد أخرى» قوله: {أن يذكر فيها اسمه} وعطف بقوله: {وسعى في خرابها} أي بتعطيلها عن ذكر الله لبعد وجوه ظلمهم زيادة في تبكيتهم. والمنع الكف عما يترامى إليه. والمسجد مفعل لموضع السجود وهو أخفض محط القائم. والسعي الإسراع في الأمر حساً أو معنى. والخراب ذهاب العمارة، والعمارة إحياء المكان وإشغاله بما وضع له – قاله الحرالي”.

أما الشيخ الشعراوي –رحمه الله تعالى- فقد فتح الله عليه في خواطره فتحا عظيما ورزقه فهما سليما قال: “فالحق جل جلاله بعد أن بين لنا موقف اليهود والنصارى والمشركين من بعضهم البعض ومن الإسلام، وكيف أن هذه الطوائف الثلاث تواجه الإسلام بعداء ويواجه بعضها البعض باتهامات. فكل طائفة منها تتهم الأخرى أنها على باطل. أراد أن يحذرهم تبارك وتعالى من الحرب ضد الإسلام ومحاربة هذا الدين فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه}. مساجد الله هي الأماكن التي يتم فيها السجود لله. والسجود علامة الخضوع وعلامة العبودية كما بينا. لأنك تضع أشرف شيء فيك وهو وجهك على الأرض خضوعا لله وخشوعا له. (…) ما هي هذه البيوت التي يرى فيها الناس نور الله تبارك وتعالى؟ هي المساجد. فَعُمَّارُ المساجد وزوارها الدائمون على الصلاة فيها هم الذين يرون نور الله. فإذا أتى قوم يجترئون عليها ويمنعون أن يذكر اسم الله فيها. فمعنى ذلك أن المؤمنين القائمين على هذه المساجد ضعفاء الإيمان ضعفاء الدين تجرأ عليهم أعداؤهم. لأنهم لو كانوا أقوياء ما كان يجرؤ عدوهم على أن يمنع ذكر اسم الله في مساجد الله. أو أن يسعى إلى خرابها فتهدم ولا تقام فيها صلاة الجمعة. ولكن ساعة يوجد من يخرب بيتا من بيوت الله. يهب الناس لمنعه والضرب على يده يكون الإيمان قويا. فإن تركوه فقد هان المؤمنون على عدوهم. لماذا؟ لأن الكافر الذي يريد أن يطفئ مكان إشعاع نور الله لخلقه. يعيش في حركة الشر في الوجود التي تقوى وتشتد كلما استطاع غير المؤمنين أن يمنعوا ذكر اسم الله في بيته وأن يخربوه. قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ}. معناه أنه لا يوجد أحد أظلم من ذلك الذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. أي أن هذا هو الظلم العظيم. ظلم القمة. وقوله تعالى: {وسعى فِي خَرَابِهَآ}. أي في إزالتها أو بقائها غير صالحة لأداء العبادة. والسعي في خراب المسجد هو هدمه.”

طالع أيضا  على ضفاف آيات

أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في فتح القدير: “وَقَوْلِهِ: «مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ» أَيْ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ دُخُولُهَا إِلَّا حَالَ خَوْفِهِمْ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ لِلْعِبَادِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَسْجِدٍ وَمَسْجِدٍ، وَبَيْنَ كَافِرٍ وكافر، كما يفيد عُمُومُ اللَّفْظِ، وَلَا يُنَافِيهِ خُصُوصُ السَّبَبِ، وَأَنْ يَجْعَلُوهُمْ بِحَالَةِ إِذَا أَرَادُوا الدُّخُولَ كَانُوا عَلَى وَجَلٍ وَخَوْفٍ مِنْ أَنْ يَفْطِنَ لَهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيُنْزِلُونَ بِهِمْ مَا يُوجِبُ الْإِهَانَةَ وَالْإِذْلَالَ، وَلَيْسَ فِيهِ الْإِذْنُ لَنَا بِتَمْكِينِهِمْ مِنْ ذَلِكَ حَالَ خَوْفِهِمْ، بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَنْعِ لَهُمْ مِنَّا عَنْ دُخُولِ مَسَاجِدِنَا. وَالْخِزْيُ: قِيلَ: هُوَ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ وَإِذْلَالُهُمْ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. (…)”. وقال الشهيد سيد قطب -رحمه الله تعالى- في الظلال: “«أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ» أي أنهم يستحقون الدفع والمطاردة والحرمان من الأمن، إلا أن يلجؤوا إلى بيوت الله مستجيرين محتمين بحرمتها مستأمنين (وذلك كالذي حدث في عام الفتح بعد ذلك إذ نادى منادي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح: من دخل المسجد الحرام فهو آمن.. فلجأ إليها المستأمنون من جبابرة قريش، بعد أن كانوا هم الذين يصدون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن معه ويمنعونهم زيارة المسجد الحرام!). ويزيد على هذا الحكم ما يتوعدهم به من خزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة: «لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ». وهناك تفسير آخر لقوله: «أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ»، أي أنه ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا في خوف من الله وخشوع لجلالته في بيوته. فهذا هو الأدب اللائق ببيوت الله، المناسب لمهابته وجلاله العظيم.. وهو وجه من التأويل جائز في هذا المقام.”  

أما الشيخ الشعراوي -رحمه الله تعالى- فإنه يرى أن الأصل هو أن هؤلاء الكفّار لا قدرة لهم على الدخول إلى بيوت الله المحصّنة حسّا ومعنى من طرف المؤمنين، فإن حدث ودخلوا- وما ينبغي لهم- فإنما يدخلون خائفين من بطش جند الله. أما وقد تجرؤوا على منعها، وقدروا على تخريبها، فهذا دليل أكيد على أن المؤمنين قد ضيعوا طريقهم وفرطوا في إيمانهم: “{أولئك مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ}. أي أن هؤلاء الكفار ما كان يصح لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين أن يفتك بهم المؤمنون من أصحاب المسجد والمصلين فيه. فإذا كانوا قد دخلوا غير خائفين. فمعنى ذلك أن وازع الإيمان في نفوس المؤمنين قد ضعف. ويختم الحق سبحانه الآية الكريمة بقولة: {لَّهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ}. أي لن يتركهم الله في الدنيا ولا في الآخرة. بل يصيبهم في الدنيا خزي. والخزي هو الشيء القبيح الذي تكره أن يراك عليه الناس. قوله تعالى: {لَّهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ}. هذا مظهر غيرة الله على بيوته. وانظر إلى ما أذاقهم الله في الدنيا بالنسبة ليهود المدينة الذين كانوا يسعون في خراب مساجد الله. لقد أخذت أموالهم وطردوا من ديارهم. هذا حدث. وهذا معنى قوله تعالى الخزي في الدنيا. أما في الآخرة فإن أعداء الله سيحاسبون حسابا عسيرا لتطاولهم على مساجد الله سبحانه، ولكن في الوقت نفسه فإن المؤمنين الذين سكتوا على هذا وتخاذلوا عن نصرة دين الله والدفاع عن بيوت الله. سيكون لهم أيضا عذاب أليم. إنني أحذر كل مؤمن أن يتخاذل أو يضعف أمام أولئك الذين يحاولون أن يمنعوا ذكر الله في مساجده. لأنه في هذه الحالة يكون مرتكبا لذنبهم نفسه وربما أكثر. ولا يتركه الله يوم القيامة بل يسوقه إلى النار.”

طالع أيضا  على ضفاف آيات

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في فتح القدير:

“وَالْمَشْرِقُ: مَوْضِعُ الشُّرُوقِ. وَالْمَغْرِبُ: مَوْضِعُ الْغُرُوبِ، أَيْ: هُمَا مِلْكٌ لِلَّهِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْجِهَاتِ وَالْمَخْلُوقَاتِ، فَيَشْمَلُ الأرض كلها. وقوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا أَيْ: أَيَّ جِهَةٍ تَسْتَقْبِلُونَهَا فَهُنَاكَ وَجْهُ اللَّهِ، أَيِ: الْمَكَانُ الَّذِي يَرْتَضِي لَكُمُ اسْتِقْبَالَهُ، وَذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ الْتِبَاسِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ الَّتِي أَمَرَنَا بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ «2» قَالَ فِي الْكَشَّافِ: وَالْمَعْنَى: أَنَّكُمْ إِذَا مُنِعْتُمْ أَنْ تُصَلُّوا فِي المسجد الحرام، أو فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَدْ جُعِلَتْ لَكُمُ الْأَرْضُ مَسْجِدًا، فَصَلُّوا فِي أَيِّ بُقْعَةٍ شِئْتُمْ مِنْ بِقَاعِهَا، وَافْعَلُوا التَّوْلِيَةَ فِيهَا، فَإِنَّ التَّوْلِيَةَ مُمْكِنَةٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَا تَخْتَصُّ أَمَاكِنُهَا فِي مَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ، وَلَا فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ انْتَهَى.

وَهَذَا التَّخْصِيصُ لَا وَجْهَ لَهُ فَإِنَّ اللَّفْظَ أَوْسَعُ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ بَيَانَ السَّبَبِ فَلَا بَأْسَ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ فِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى سِعَةِ رَحْمَتِهِ. وَأَنَّهُ يُوَسِّعُ عَلَى عِبَادِهِ فِي دِينِهِمْ، وَلَا يُكَلِّفُهُمْ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ، وَقِيلَ: وَاسْعٌ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ يَسَعُ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، كَمَا قَالَ: وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً «3» وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْوَاسِعُ: الْجَوَادُ الَّذِي يَسَعُ عَطَاؤُهُ كُلَّ شَيْءٍ.”

وما أروع ما فتح الكريم المنان –سبحانه- به على الشيخ الشعراوي -رحمه الله تعالى- في خواطره: “بعد أن بين الله سبحانه وتعالى جزاء الذين يخربون مساجد الله ويهدمونها. ويمنعون أن يذكر فيها اسمه والعذاب الذي ينتظرهم في الآخرة أراد أن يذكرنا بأن تنفيذ هذا على مستوى تام وكامل عملية مستحيلة لأن الأرض كلها مساجد. وتخريبها معناه أن تخرب الأرض كلها. لأن الله تبارك وتعالى موجود في كل مكان فأينما كنتم فستجدون الله مقبلا عليكم بالتجليات.

وقوله تعالى: {فَثَمَّ وَجْهُ الله}. أي هناك وجه الله. وقوله تعالى: {الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. أي لا تضيقوا بمكان التقاءاتكم بربكم؛ لأن الله واسع موجود في كل مكان في هذا الكون وفي كل مكان خارج هذا الكون. (…)

وقوله تعالى: {إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. أي يتسع لكل ملكه لا يشغله شيء عن شيء. ولذلك عندما سئل الإمام علي كرم الله وجهه. كيف يحاسب الله الناس جميعا في وقت واحد؟ قال كما يرزقهم جميعا في وقت واحد.

إذن فالله لا يشغله شيء عن شيء. ولا يحتاج في عمله إلى شيء. إنما عمله «كن فيكون»”

وأختم بهذه الآهات التي سطّرتها أنامل الإمام المجدد عبد السلام ياسين -رحمه الله تعالى- نقلا عن قلب ملتاع تعلّق ببيوت الله تعلّق الأحباب، يشكو ما أصابها من ظلم المنع وجور الخراب، ويفضح مؤامرات من رخص عليهم دينهم فباعوه ونسوا يوم الحساب، وتجرؤوا على الباب والمحراب، وما كان لهم أن يفعلوا لولا أن وازع الإيمان فينا غاب: “محضن الرجال، ومدرسة العلماء، ومحراب المتبتلين، ودائرة قيادة الجهاد، ومجلس الشورى والإيمان المسجد. ومنذ برهن المسجد عن حيويته حين صدر عنه وخرج منه المؤمنون المجاهدون في إيران، وزلزلوا دعائم الطاغوت والاستكبار، اشتدت الوطأة على عمار المساجد. وطرأ على دول الجبر اهتمام ملح بالمساجد والصلاة وخطبة الجمعة. ونشأت عند رواد الفتنة حساسية إسلامية يبادرون إلى الحج والصلاة على التلفزيون والتأكيد على إسلامهم. إسلام رسمي احتل المساجد وأممها، وعمرها بالخطب الرسمية، والوعظ الرمسي الناعس، ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين. نركز معركتنا في الطلب بحقنا في مساجد الله. لا حق لأحد أن يمنعنا من ذكر الله فيها. لا حق لهم أن يخربوا روح المسجد ورسالة المسجد مع تزويقه وتأثيثه.” 1


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص 285.