أبانت جائحة كورونا طيلة مدة 7 أشهر المنصرمة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية الهشة للمغاربة، حيث أن 5،5 مليون عائلة تطالب بالدعم المادي في ظل الأسعار الملتهبة وارتفاع معدلات البطالة نتيجة تسريح العديد من العمال (أزيد من 625 ألف عامل) وتعطل الكثير من القطاعات الحيوية التي تشغل مئات الآلاف من اليد العاملة، وقد زاد التدبير الانفرادي لأزمة الوباء هذه الوضعية تأزما عندما اختار صناع القرار بالمغرب امتطاء السلطوية منهجا للتعاطي مع كل الملفات الموجودة على الطاولة السياسية.

فكانت الحصيلة خلال هذه المرحلة جد سيئة، حيث يسجلُ تعطيل المؤسسات الدستورية، وغياب الحكومة التي ظلت أداة لاستصدار قوانين الطوارئ الممعنة في تقليص مجال القانون لصالح الاختصاصات الواسعة للولاة والعمال بدعوى اتخاذ تدابير وإجراءات لمواجهة الجائحة، وقد أفرز هذا المنطق انتكاسة في منحنى تأويل وتنزيل الدستور والقوانين التنظيمية، مما أسهم في تجديد السلطوية وتثبيت أركانها أكثر، لأن السلطة بالمغرب وجدتها فرصة للانقضاض على كل المساحات الشعبية المكتسبة في سياق ربيع الشعوب لسنة 2011، وكان من الطبيعي أن ينتج عن هذا المنطق انتهاكات جسيمة للحقوق والحريات دوّنتها تقارير المنظمات الحقوقية الدولية والوطنية، ووثقت من خلالها مئات الخروقات التي عرفها المغرب، والتي ذهب ضحيتها معتقلون سياسيون ومدونون وصحافيون ونشطاء اعتقلوا على خلفية احتجاجات اجتماعية سلمية (جرادة، بني تجيت…) مطالبة بالشروط الدنيا للعيش الكريم، والتي واجهتها السلطة بمقاربة قمعية، واعتقالات واسعة ومحاكمات مفتقدة لشروط المحاكمة العادلة، في ظل قضاء غير مستقل يتم توظيفه للتوقيع على قرارات أمنية بغطاء قانوني.

وإذا كانت هذه المقاربة غير مجدية وغير ناجعة لمواجهة تداعيات أزمة كورونا، بل تزيد من تأزيم الوضع، فإنه من الملاحظ أن الفاعل السياسي بالمغرب طبع بشكل فاحش مع منهجية السلطة وأخلى الميدان للصوت الواحد، بصمته عن ممارساتها، بل بمباركته أحيانا للخطاب الرسمي الذي تنصل من مسؤولية الدولة عن تحمل تبعات الأزمة وإعداد البديل.

طالع أيضا  واجب المواساة في الأزمات

والأدهى والأمر أن ينخرط الفاعل الحزبي والحكومي في لعبة استغلال الوباء لتمرير سياسات وقوانين موغلة في البطش بالمواطنين وتضييق الخناق عليهم؛ من قبيل ما يتم إقراره من إجراءات في مشروع قانون المالية 2021 (السعي لرفع نسبة الاقتطاع إلى 39 في المائة لتغطية اختلالات الصندوق المغربي التقاعد، في مقابل دعم المقاولات ب 100 مليار درهم)، وما يتم طبخه بخصوص مشروع قانون الإضراب الذي يذكرنا بالقانون المشؤوم 22.20 لتكميم الأفواه، كما أن هذا الفاعل وبصِيَغ متفاوته يسهم في تمييع النقاش السياسي عندما ينحدر إلى تبخيس المرحلة بإثارة قضايا غير ذات أولوية كموضوع القاسم الانتخابي، وكأن الإشكالات البنيوية بالمغرب ستحلها الانتخابات التي نعرف وظيفتها ومدخلاتها ورهاناتها في ظل بنية سياسية مغلقة.

إن هذه السمات للمشهد السياسي المغربي، بين يدي الدخول السياسي لهذه السنة، تدفع المتابع الغيور والقوى الحية الصادقة، للتخوف بشكل كبير على مصير البلاد ومستقبلها السياسي، ومن هنا يتساءل الغيورون، أليس من العقل والحكمة أن تكون أزمة كورونا ومخرجاتها فرصة لتجديد العهد مع الله ومع الشعب، والتوجه نحو بناء استراتيجية وطنية في صلبها إجابات عن الأولويات التي أظهرها الوباء وفي مقدمتها معالجة المعضلة الاجتماعية، والتصدي لتحديات الصحة والتعليم وللاختلالات ومظاهر العجز، والتوجه نحو إعادة الثقة بين السلطة والمجتمع في أفق إرساء ميثاق مجتمعي جديد، أليس من النباهة أن يفكر الحاكمون في تأمين المستقبل السياسي للبلاد في ظل القلاقل والهزات المحيطة بهم من كل جانب، ويجعلون هذه الفرصة سانحة لاتخاذ مواقف وقرارات جريئة من قبيل إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين والصحفيين، واسترجاع الأموال المهربة، والقطع مع اقتصاد الريع وتوزيع الثروة وفتح مجال الحريات لكل الأفراد والتنظيمات، وإنتاج شروط سياسية واقتصادية جديدة، ستسهم بلا شك في بروز نموذج تنموي مغربي متوافَق حوله يستجيب لانتظارات المغاربة ويصمد أمام الأزمات، ويواجه كل التحديات؟

طالع أيضا  المغرب السياسي المعاصر.. الثابت والمتغير (1)