لا تُرسَمُ خريطة الحياة الطيبة إلا بمداد الروح، مِدَادٌ نوراني يخبو ويَخْفِتُ أمام كثافة الجسد الفيزيائي المتثاقل إلى الأرض، الغارقِ في التكاثر واللعب واللهو والغرور.

وفي عتمة هذا الجسد، تظل الروح ساكتة صابرة، تذبل كالوردة في صمت، تقاوم فصل الخريف الذي أتلف حصاد حقل الحياة، تتأبطها الحسرة، وهي تبحث عبثا عن مَنْفَذٍ للرحيل بين الحواس التي جرفها وجودٌ ماديٌّ متأججُ الوقائعِ، ومتسارعُ الأحداثِ. وجود أجج اختناق الروح وأمعن في تمزيقها ولم يترك من فصولها إلا خريفا يُسقِط آخر ما تبقَّى من أوراقها. فهل ستستسلم الروح لطوفان الحياة ليبتلع مركبَها قلبٌ غافل وجوارح لاهية؟ ومتى ستشرق شمس هذه الروح لتنبعث فيها الحياة الطيبة من جديد؟

إن هذا الأمر لم ولن يتحقق إلا إذا استأنفت الروح وظيفتها الوحيدة؛ ألا وهي وظيفة الرحيل المتجدد والسفر الدائم. الروح يجب أن تبقى في فراق وتلاق دائم مع الجسد؛ فراق تعرج فيه الروح من بوابة الجسد لتعود إلى وطنها العلوي وتقتبس من النور الإلهي الذي انتُفِخَت منه أول مرة، ثم تعود لتبعثَ الحياةَ في الجسد وتجدد فيه الولادة بتجدد العروج والنفخ.

فإذا كان الجسد لا يسافر إلا لكي يمرح، فإن الروح لا تسافر إلا لكي تسبح، وشتان بين القصد والقصد!

لكن هذه الروح مكتوب عليها ألا ترحل إلا عندما تستقيم وتستوي علاقة العقل والقلب، ويصبح العقل مبتهجا بقيادة القلب. ففي الفراق والتلاقي تختزل معادلة الروح والجسد، فراقٌ يغذي ويحرر الروح، وتلاقٍ يزرع الحياة في الجسد.

من هنا جاءت الحاجة إلى العبادة، فهي وحدها القادرة على حل هذه المعادلة الصعبة عندما يتناغم ويتماهى الجسد مع الروح، هي برقصتها في السماء وهو بسجوده ومعانقته الأرض.

لكن كم ستدوم هذه الرقصة الروحية، وكم ستدوم هذه السجدة الجسدية، وهل بانقضائهما تعود المعادلة إلى عقدتها؟

طالع أيضا  واقصد في مشيك

هنا تتجرد العبادات كلها من أشكالها وكيفياتها وأوقاتها وأعراضها لِتَكشِفَ عن جوهرها للجسد في حُلّةِ ”الذِّكْرِ“، مانحة الروح سفرا دائما وعروجا غير موقوت وغير مظروف وغير مشروط، وراسمة للجسد كل نهار سَبْحاً طويلا.

وحده ذكر الله من يُمَكِّنُ سفينة الروح من رفع أشرعتها وإعلان سفرها متى شاءت وكيفما شاءت دون أن تشوش على وظيفة الجسد، بل هي من ترحل تخطو به فوق خريطة الحياة، وتجعله يتسامى عن سفاسفها، ويقوى على اقتحام عقباتها.

إن حرفة الروح هي الرحيل تعود إلى حيث جاءت، تصعد حتى لا تسقط، تعانق السماء حتى لا تبتلعها الأرض وتئدها وهي من أصل لا يموت. وستبقى الروح كالرضيع العاشق لثدي أمه، لا تكبر ولا تشيخ، ترفض الفطام والفصال، تطلب غذاءَها من موطنها كما يطلب الجسد غذاءَه من موطنه، هو بسعيه في الأرض، وهي بسفرها إلى منبع النور، إلى نور السماوات والأرض الذي نفخ الروح منه وجعلها من أمره، وهيأ لها كل أسباب السفر ووسائل العروج، فأوجب عليها رحمة بها العبادات كحد أدنى للغذاء، وأكرمها بالذِّكْرِ حتى يكون لها ذكرٌ بعدما لم يكن صاحبها شيئا مذكورا، وليبقى حبل النور ممدودا لها حتى تعود إلى الله بعد موت الجسد.

فمتى سترفع يا صاح أشرعة روحك للسفر قبل السفر؟ أم أن الجسد قد أغلق كل المنافذ؟ انظر هناك، فبين اللسان والقلب توجد فجوة يمكن من خلالها الرحيل، ابدأ بذكر اللسان وانتظر يقظة القلب، فحتما ستتسلل الروح عبره لتعانق سبحها في السماء! لذا، قف وتأهب للسفر…