افتتح الصحفي رشيد البلغيتي مداخلته ضمن الندوة التي نظمتها جماعة العدل والإحسان بمدينة الدار البيضاء، عن بعد، حول التدبير السياسي لجائحة كورونا، يوم السبت 10 أكتوبر 2020، بتشخيص وضع الدول في تعاملها مع الجائحة على المستوى العالمي المتسم بالارتباك والانطواء على الذات حتى داخل التكتلات الكلاسيكية مثل الاتحاد الأوروبي، بل تم توظيف الجائحة من طرف القوى العالمية للتموقع وإعادة التموقع الاستراتيجي حيث استمرت حالة التنابز وتقاذف التهم بين الدول عوض خطاب التضامن والتآزر والتعاون. كما أظهرت الجائحة أهمية الإعلام كخدمة عمومية باعتباره وسيلة للتوعية والتعبئة والإخبار بحثا في الأماكن التي لا يراد لها أن تكشف.

لكن الممارسة الإعلامية الرسمية في المغرب، كجزء من التدبير الرسمي للجائحة، أظهرت، حسب الصحفي رشيد، حجم الاستهداف الذي طال الإعلام ووظيفته المجتمعية، حيث استطاعت الدولة تحويل عدد كبير من المؤسسات الإعلامية إلى منصات تابعة لها مهمتها “رسكلتة” (recyclage) أو إعادة تدوير البيانات الرسمية وتقديمها للمواطن كامتداد للعمل الدعائي للوكالات والقنوات والإذاعات الرسمية، التي تخلت عن دورها باعتبارها خدمة عمومية للمواطن، بل أضحى دورها، حسب البلغيتي، هو الحشد والنفير للسياسات الرسمية وتخوين كل من يحاجج هذه السياسات.

وقد أظهرت الجائحة كذلك معدن من يدبر الدولة، فقد سجل الصحفي البلغيتي تواري المنتخبين في كل المستويات الحكومية والجهات والأقاليم والجماعات لصالح قلب الدولة الذي هو في حقيقة الأمر وزارة الداخلية، حيث اجتهد الإعلام الموالي للسلطة للاحتفاء والاستعراض الميداني لتحركات السلطة عوض الاحتفاء بمن هم في قلب معركة الوباء من أطباء وممرضين وغيرهم. كما حاولت السلطة، حسب ذات الصحفي، استغلال الجائحة للتضييق على الحريات من خلال محاولة تمرير مشروع قانون 22.20، وكذا توظيف قانون الطوارئ الصحية لتقليص هامش الحريات من قبيل حرية الصحافة.

طالع أيضا  الهندسة رسالة قبل أن تكون مهنة

وحول تصورات البلغيتي للمستقبل، فإن الوضع في نظره لا يدعو إلى التفاؤل في ظل هذا الوضع الذي كشفت الجائحة بعض عواره، مستخلصا في نهاية تدخلاته أبرز الدروس التي تقدمها لنا الجائحة؛ في مقدمتها إعادة الاعتبار لمؤسسات التنشئة الاجتماعية وعلى رأسها المدرسة والكف عن استهدافها لكونها رافعة بناء المعرفة والوعي والمبادرة، وضرورة التراجع عن تسليع الخدمات العمومية وعلى رأسها التعليم والصحة والعمل على ضمانها لكافة المواطنين، وأهمية إرساء قواعد الحماية الاجتماعية لحفظ كرامة كل الناس دونما ثقافة المن، وتوسيع هامش الحريات والحقوق قصد التخفيف من حالة الاحتقان التي تسبب فيها انفراد أقلية بخيرات البلد من أجل مزيد من الاغتناء، والكف عن الاحتفاء بالسلطوية واتجاهها للتضييق على مساحات الحقوق والرأي والتعبير.