يجب أن تفهموا أن مساجدكم هي آخر ما أفكر به في زحمة الأولويات…

يعجبني أن أساهم في التخفيف من هذا التعلق “المخيف” بالمساجد، وذلك الارتفاع “الهستيري” للتأمين عند الدعاء على الصهاينة المجرمين.

انظروا! ها هي حياتنا تمضي بأقل عدد من المساجد المفتوحة، وبمصلين أقل، وبدون جمعة ولا مواعظ، والأمر عادي جدا، ولم يقع أي مشكل والحمد لله…

عليكم أن تفهموا بأنكم لستم في حاجة إلى هذه الشعائر أصلا، وأن الاقتصاد أولى، والسياسة أهم، خاصة والانتخابات على الأبواب…

شخصيا، على الأقل أريد أن يتراجع منسوب اللّحى، والسجاجيد المتأبَّطَة، والأزقة الغاصة بالمصلين ومنظرهم الذي يمنع ويؤذي ويشجع ويغري، وكم أطمح أن يتقلّص العدد، ويجفّ المدد، ويختفي الهياج العاطفي إزاء ما يقع، وتتقلّص مساحات الغيب، وينكمش خطاب الروح قليلا…

فنحن بحاجة إلى الجسد أولا، والجسد ثانيا وثالثا…

بحاجة إلى إعطاء فرصة لباقي الحواس، وإعادة الاعتبار للأهواء، وإنصاف الرغبات المقموعة، وإسقاط الإيمان الذي يكبح ويراقب ويمنع…

بحاجة نحن إلى مساحة زمنية تطغى فيها الشهوات، وتضمر أصوات الزجر والتحذير والتخويف، ويخف الشعور بالذنب وتأنيب الذات…

لقد تركنا لكم الأذان، كحد أدنى للمدمنين فقط، وإيقاع لازم لتجميل الحياة في هذا البلد كما يحب ذلك السائحون…

اصبروا قليلا فقط، ستنسون بسرعة، وتملؤون وقت الجمعة بجلسة في مقهى، أو دردشة في الهاتف، أو متابعة الأخبار، ستنسون بسرعة وتصبح الجمعة ثقيلة على النفس، ومزعجة، ومضيعة للوقت، وستقتنعون بأنها كانت مجرد نشاط يمكن الاستغناء عنه، بقليل من التغافل، وبعض الجرأة على تغيير العادات، واملأ الأوقات بالملذات الحسية أو بأنشطة ذات عائد مادي أو عيني ملموس…

لا يتعلق الأمر بكورونا، وصحيح أن المساجد لا تشكل بؤرا لها معاذ الله، ولكن كما تعلمون، فالوزارة الوصية منزهة عن سلطة الحكومة، وحاشاها أن تنحشر في ذلك التدبير السخيف لمجريات السياسة، فالمساجد يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة، وبالتالي عن الحكومة، وبالتالي عن الرقابة والصحافة والثقافة، ولا داعي للتشويش على الأمور السيادية، فنحن نعرف متى يجب عليكم أن تصلّوا وتعبدوا ومتى يجب أن تكُفّوا وتنتهوا، نحن الذين انتدبنا أنفسنا لنريكم ما ينفعكم، ونختار لكم ما يريحكم لا ما يتعبكم، أما الأمن الروحي فعليكم ألا تظلوا سطحيين ومتوجسين، قد يتحقق بأمور عديدة، بدعم بعض أنواع الفن دون غيرها، بدعم تكايا الصمت، واحتضان الرقاة وتنظيم تخصصاتهم، والتركيز على أصوات معينة في الأذان، وإصدار بعض الفتاوى عند الضرورة، والأهم في كل هذا صيانة المصالح المرسلة، وجلب المنافع المرجحة، وهذا من أجلّ خصائص فقهنا المالكي، كما نفهمه على ضوء التوجيهات والتعليمات والإشارات..

طالع أيضا  ذ. الجوري: تجاهل فتح المساجد للجمعة يضع شعار "الأمن الروحي" للمغاربة بين أقواس

لا داعي للجمعة الآن… صدقوني… إنهم مجرد موظفين ينتظرون تلك الفرصة للخروج مبكرا بدعوى الصلاة، ومجموعة من باعة المسك المزيف وبعض العلاجات التقليدية للروماتيزم، وبعض بائعي اللبن والفواكه، من يريدون إرجاع صلاة الجمعة، يضاف إليه بعض باعة الجوارب ومقصات الأظافر وأعواد الأرك والطاقيات الأفغانية…

صدقوني… لا داعي لصلاة الجمعة الآن… إننا مشغولون بالقاسم الانتخابي، وهندسة الخريطة المقبلة، ومنخرطون بجدية في تنزيل الرؤية الاستراتيجية لمشروع “مناعة القطيع”، وتمديد التمديد وضبط الحركة وتفكيك المعنى…

اصبروا قليلا… ستنسون…

ولا بأس برمز القصعة ليكون الأساس في كل جمعة مباركة…

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.