صرح الرئيس الفرنسي ماكرون، تصريحا متحاملا على الإسلام ويذكي فيه العنصرية والكراهية، وهذا السلوك الصادر عن رئيس الدولة، يسائل قيم الجمهورية الفرنسية وشعارات المبادئ الكونية، من حرية ومساواة وعدالة…

وإذا كان هذا التصريح هو عنوان أزمة العلمانية وتناقض الشعارات مع الممارسة عند العلمانيين الذين يضيقون ذرعا بخرقة فوق رأس مسلمة، فإن تصريح الرئيس الفرنسي نحاكمه إلى لغة الأرقام، لنخلص للإجابة عن سؤال، هل الإسلام في أزمة تعيقه عن الاستمرار أو الانتشار أو المواكبة؟ قد نتفهم أن الإسلام يتسبب في أزمة لمن يعاديه، وأن المسلمين يعيشون في أزمة بما كسبت أيديهم ونتيجة مكر عدوهم بهم بالليل والنهار، لكن لا يستساغ أن الإسلام في حد ذاته يعيش أزمة. والدليل على ذلك بلغة الأرقام، من خلال عدد المسلمين في العالم، ونسبة تزايد وانتشار الإسلام في العالم، ودلالة حجم اهتمام الغرب بالإسلام:

أولا: اهتمام الغرب بالإسلام

إن أول دليل على أن الإسلام ليس في أزمة هو اضطرار رئيس دولة إلى التعليق عليه، ولو كان الإسلام في أزمة وفي أفول لما استحق منه ذلك الاهتمام، ويضاف إلى ذلك الحرب المعلنة على الإسلام، سواء تحث اسم الإرهاب صنيع أعداء الأمة، أو تحث مسميات أخرى تعقد حولها العديد من المؤتمرات المعلنة وغير المعلنة للتآمر على الإسلام.

والحديث عن نظرية صراع الحضارات والخطر الأخضر والإسلاموفوبيا، دليل على أن الإسلام لا يعيش أزمة بل على العكس من ذلك، فهو يعرف تصاعدا وانتشارا وقوة تخيف وترهب من يتربصون به.

ثانيا: تعداد المسلمين في العالم

يبلغ عدد المسلمين وفق آخر تعداد لعام 2020 حوالي 1.9 مليار مسلم في العالم كله، وبذلك تعتبر الديانة الإسلامية هي ثاني أكبر الديانات في العالم بعد الديانة المسيحية، رغم أن هذا العدد غير دقيق لغياب كثير من الأرقام التي تمتنع بعض الدول عن الإدلاء بها كعدد المسلمين في ميانمار… ويمثل المسلمون حوالي 24.8 % من إجمالي عدد السكان في العالم.

طالع أيضا  مراد هوفمان الألماني الذي عشق الإسلام يرحل إلى دار البقاء

وهذه الأعداد من المسلمين نجدها موزعة على القارات الخمس بأسرها.

وفق الدراسات الديموغرافية فإن أكبر عدد من المسلمين يوجدون في قارة آسيا بحوالي 32 % من عدد المسلمين في العالم كله، حيث يبلغ عددهم 1586 مليون، أكثرهم في أندونيسيا والهند وباكستان والبنغلادش ثم تركيا.

و15% من المسلمين في قارة أفريقيا وفي الأمريكتين ودول القوقاز والصين والفيلبين وروسيا، ففي إفريقيا 690 مليون مسلما، أكثرهم في نيجيريا ومصر وإثيوبيا ثم تنزانيا.

و20% من سكان بعض دول أمريكا اللاتينية مسلمون مثل سورينام وغويانا وترانيداد توباغو.

6% من إجمالي عدد سكان أوروبا الغربية من المسلمين المهاجرين، أي حوالي 24 مليون نسمة. ويتجاوز عدد المسلمين في أوروبا بكاملها 70 مليونا، أكثرهم في الجمهوريات الروسية ثم دول البلقان ثم فرنسا ثم ألمانيا ثم بريطانيا ثم إسبانيا.

أما العرب فلا يشكلون سوى 17% من المسلمين.

فهل دين بهذا الحضور والقوة العددية يعيش أزمة؟ مع العلم أن هناك إحصائيات وبيانات لعام 2020م، يدلي بها بعض المتتبعين لعدد المسلمين في العالم، فيجعله ملياران وثلث المليار.

ثالثا: نسبة تزايد المسلمين

أوضح مركز “بيو” الأمريكي لأبحاث التغيرات الديموغرافية في الديانات الكبرى والذي يتخذ من واشنطن مقرا له، أنّ عدد السكان المسلمين سينمو بنسبة 73% بين عامي 2010 و2050، بالمقارنة مع 35% لدى المسيحيين، ثاني أسرع ديانة نمواً في العالم.

وأضاف المركز أنّ الديانة الإسلامية ستصبح الأولى في العالم بحلول سنة 2070 إذا ما حافظ الإسلام على وتيرة النمو هذه.

وتوقع مركز “بيو” أن يصل عدد المسلمين سنة 2050 حوالي 2.76 مليار، في حين سيصل عدد المسيحيين إلى حوالي 2.92 مليار. وخلص المركز إلى أنه: “إذا استمرت الاتجاهات الديموغرافية الحالية، فمن المتوقع أن يتجاوز عدد المسلمين عدد المسيحيين بحلول نهاية القرن الحالي”.

طالع أيضا  قد نخطئ في التحليل ولكن ينبغي ألا نتيه

هل دين له هذا المستقبل يعيش أزمة؟ أم يتسبب في أزمة بالنسبة لغيره؟

رابعا: نسبة انتشار الإسلام

ونقصد بالانتشار هنا، انتشار الإسلام في صفوف غير المسلمين، وتبين الإحصاءات أنه خلال القرن 21 أسلم نحو 700,000 فلبيني ونحو300,000 من القوميات الروسية كافة، ويسلم سنويا أكثر من عشرين ألف أوروبي من النخب، ونحو ألف أسترالي، وكذا في أمريكا وكندا والهند… إلخ، أما في إفريقيا فعدد الذين يسلمون سنويا أفضل بكثير.

وبحسب المصادر الغربية المختصة فإن مجموع من أسلموا حول العالم في القرن الحالي ما يقارب خمسة ملايين متحول جديد.

فهل يمكن لدين يعيش في أزمة أن يلقى قبولا في صفوف النخب والعامة وفق هذه الإحصائيات وغيرها.

خامسا: الإسلام في أرقام

للمسلمين حضور في 235 دولة ولا تخلو مدينه في العالم من المسلمين:

-عدد المساجد ثلاثة ملايين وستمائة ألف، أكثرها في الهند ثم اندونيسيا ثم بنغلاديش، وهي تنتشر في كل بقاع العالم.

– عشرة ملايين مسلم يؤدون الحج والعمرة سنويا.

– ثلث مساحة الكون يوجد فيها العالم الإسلامي بموقعه الاستراتيجي.

– نصف ثروات العالم بالعالم الإسلامي، وهي سبب مؤامرات التمزيق والتشتيت والاحتلال المباشر وغير المباشر للأمة الإسلامية.

-يغلب على الهرم الديمغرافي للأمة الفئة الشابة. عنوان الحيوية والنشاط والمستقبلية، وهي الديموغرافية الأكثر نموا.

– هناك صحوة في الأمة ويقظة في مختلف شعوب الأمة، تشكل نواة تحول وتحرير وانعتاق من الغثائية والاستبداد والاستعباد والاحتلال.

وفي الختام، قد يكون المسلمون في أزمة نتيجة الغثائية وداء الأمم وتكالب الأعداء عليهم، لكن الإسلام يشق طريقه نحو التمكين كما بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون يتعافون من غثائيتهم ويقاومون مخلفات صدمة الاستعمار، ليكونوا مع الوعد الإلهي والبشرى النبوية.

طالع أيضا  الشعوب العربية ورهان حقوق الإنسان لدى المنتظم الدولي

روى ابن حبان في صحيحه وجماعة من المحدثين بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار. ولا يترك الله بيت مدر [بيوت الحاضرة تبنى بالحجارة واللبِن] ولا وَبَر [خيام البادية من وبر الجمال] إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل. عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر”.

ويعلق الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله على هذا الحديث فيقول: “ثم إن فتح العالم للإسلام حتى يدخل الإسلام كل بيت مدر ووبر كما قرأنا في الحديث السابق، وحتى يعم مشارق الأرض ومغاربها، وحتى تفتح روما للإسلام ليس محتوما أن يتم عن طريق الحرب. وما كان دخول الأقوام التي دخلت في الإسلام عن إكراه، فإنه لا إكراه في الدين، وإنما كان السيف الإسلامي والقوة الإسلامية ذراعا قوية تدافع عن الدعوة وتكسر أسوار الجاهلية المانعة أن يصل نداء الحق للناس.” وإن في الديمقراطية وحقوق الإنسان إذا ما احترمت لضمانة ليختار الإنسان دينه عن قناعة لا عن إكراه، “لا إكراه في الدين”.