صناعة الحرية في الزنزانة

داخل السجن أيضا تعرَّف الإمام على العشرات من مناضلي اليسار المغربي الذين اعتُقلوا في قضية “انتفاضة الخبز”، كما ذكرنا، واطلع من خلالهم على طبيعة التفكير اليساري العربي ومخططات الشيوعيين السياسية والثقافية، وقرأ الأفكار التي تتغذى منها ذهنية شباب تمت “مركستهم” بنجاح، وآخرين تحولوا في السجن من مشاريع مناضلين إلى عملاء وليبراليين، وأشاد بنضالية المناضلين منهم وتجلدهم في مواجهة الباطل، وحافظ على صداقة بعضهم إلى وفاته رحمه الله، من أمثال المناضل النقيب عبد الرحمن بنعمرو الذي كان يحلو لهما الحوار مشيا في ساحة السجن. فاليسار كما الإسلاميون ليسوا سواء. منهم ومنهم. فيهم وفيهم. كانوا ولا زالوا.

ولعله من المفيد في هذا الدرس أن الخطأ في مشاريع التغيير في الوطن العربي تقاسمه اليسار والإسلاميون معا، إذ كل منهما ادعى أنه لوحده سيقيم دولته ويُخضع الآخر كرها لمنطقه ومشروعه، فاليسار أرادوها اشتراكية وشيوعية تقدمية ولا دينية، والإسلاميون أرادوها دولة دينية إسلامية، وبعضهم فكر في تطبيق مشروعه بتسويغ العنف بل مارسه يا للأسف! وقليل منهم من فكر في بناء دولة المشترك التي تلتقي فيها المشاريع على كليات جامعة يتواثقون عليها بشكل مشترك. ومن هؤلاء القلة من نادى مبكرا إلى إنجاز ميثاق جامع تلتقي فيه كليات الدين ومروءات الناس، ولا يُضام فيه أحد. ومنهم الأستاذ رحمه الله الذي ألح على فكرة الميثاق وضرورة الميثاق قبل سجن العلو، وفي مجلة الجماعة السابقة عن تأسيس الجماعة ذاتها، سنة 1981م، قبل دخول السجن وأثناءه وبعده. وقد أكد لي ذلك المؤرخ زكي مبارك بكلمة صدر بها الإمام عندما أهدى له كتابه “Islamiser la modernité” يقول: “إنها كلمة واحدة تلخص عشرات الصفحات، كلمة سياسية هي “الميثاق الإسلامي” وكلمة مصيرية هي: من أنا؟ وإلى أين؟ وماذا بعد القبر؟”.

طالع أيضا  حصادُ السِّنين …في التجربة السِّجنية للإمام -1-

ولأن الوطن مشترك بين جميع أبنائه، فقد كان الأستاذ دائم التفكير في الخلاص الجماعي، والعمل المشترك، الأمر الذي يفرض “صياغة ميثاق على عين الشعب وتحت سمعه وبصره، والله عز وجل رقيب والأمة شاهدة. ميثاق تمضيه أنت أيها الحزب الأصفر والأخضر، وتناقشه أنت أيها الفاضل الديمقراطي، وتعترضين عليه بشجاعتك المعهودة أيتها الداعية لتحرير المرأة…. صياغة ميثاق، ومناقشة ميثاق، وإشراك الشعب في النقاش لتستنير الطريق، وينكشف الزّيْف، ويُعرف الحق، وتختار الأمة، وينفضح الدخيل، ويَخْزَى المنافق”.

تتمة المقال على موقع ياسين نت.