بقلم: ابراهيم أخساي

مع مرور الأيام أخذت مبررات إغلاق المساجد تتساقط كما تتساقط أوراق الأشجار في بداية الخريف، فكما يعرف الجميع أن الهيأة العلمية للإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى قد أغلقت المساجد ومنعت الصلوات الخمس والجمع من الانعقاد في إطار الحظر العام الذي بدأ يوم 16 مارس 2020 لمواجهة وباء كورونا الذي اجتاح العالم. المبرر العقلي والشرعي لهذا المنع الذي طال حوالي خمسين ألف مسجد كان مقبولا حينئذ، فحفظ الصحة من مقاصد الشريعة، وحفظ الأبدان ضروري لحفظ الدين، والطمأنينة شرط لصحة الصلاة وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

استساغ الناس هذا المنع حفاظا على صحتهم وانخراطا في الإجراءات الصحية المعمول بها، حيث كان للعامل الديني الدور الأهم في إقناع الناس بالحجر الصحي وذلك استرشادا بالحديث النبوي الذي نهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى قرية فيها وباء أو الخروج منها، كما أن من مقاصد الشريعة الإسلامية الحفاظ على صحة المسلم ووقايتها من كل مكروه وضرر.

لكن مع مرور الشهور أصبح من الضروري إعادة النظر في هذا القرار، وبالفعل في 15 يوليوز تم فتح بعض المساجد لأداء الصلوات الخمس وصل عددها خمسة آلاف مسجد في ربوع الوطن. كان فتحا جزئيا ظن الجميع أنه ستعقبه قرارات تكميلية تزيد من عدد المساجد المفتوحة، وهو ما لم يتحقق وظل السؤال مطروحا: ما هي مبررات هذا الإغلاق؟ وكيف يقبل أن تعطل صلاة الجمعة إلى يومنا هذا؟

طرح السؤال يعتبر وجيها ونحن نلاحظ فتح جميع المرافق التجارية والمهنية والتعليمية والسياحية أمام المواطنين، وبعضها تنعدم فيه الشروط الصحية لمواجهة كورونا؛ فالأسواق مثلا تعرف اكتظاظا وازدحاما بشكل اعتيادي ويومي، والمدارس فتحت أبوابها أمام ملايين التلاميذ مع مراعاة الضوابط الصحية للوقاية من كوفيد 19. المنتزهات والأماكن السياحية كالشواطئ والحدائق فتحت بدورها في وجه المواطنين دون خوف من انتقال العدوى، فمما يبدو أن الضرورة الاقتصادية أولى وأهم من الضرورة الروحية والدينية للمواطنين عند المسؤولين مع العلم أن الأمن الروحي لا يقل أهمية عن الأمن الاقتصادي.

طالع أيضا  كيف أستفيد من جلوسي الاضطراري في البيت؟.. خبير: ضع برنامجا بسيطا وعمليا

المبررات تتساقط الواحدة تلوى الأخرى

1-             المبرر الصحي والحفاظ على السلامة الصحية للمواطنين كان السبب الرئيس لمنع الصلوات والجمع، لكنه لا يبرر استمرار المنع في ظل توفر الوسائل اللازمة لحماية المصلين مثل تحديد عدد المصلين وقياس درجة حرارتهم وتوفير المعقمات في أبواب المساجد. وبهذا الإجراء الوقائي نكون قد حققنا مقصد الشرع في الحفاظ على الصحة كما حافظنا على الشعائر التعبدية اللازمة لحفظ الأمن الروحي للمواطنين.

في تصريح لوزير الأوقاف ربط السماح بإقامة صلاة الجمعة بزوال جائحة كورونا أو انخفاض عدد الإصابات لدرجة لا تهدد سلامة المصلين، فتعليق أداء صلاة الجمعة على هذا الشرط غير مقبول من الناحية الواقعية لاستحالة معرفة زمن انحسار هذا الداء الذي قد يمتد لشهور طوال، ولأن جميع القطاعات لم تعطل خدماتها انتظارا لزوال الجائحة. فكيف يقبل أن تغلق المساجد وتعطل الصلوات وصلاة الجمعة لأجل غير محدود؟

كما يجب الاستفادة من الفتح الجزئي للمساجد، فبشهادة الجميع يعتبر المصلون أكثر انضباطا للإجراءات الصحية الوقائية وهذا يجب أن يكون دافعا قويا للجهات المسؤولة من أجل فتح المساجد في وجه المواطنين لأداء الصلوات والجُمع.

2-             أما المبرر الشرعي، فإقامة الصلوات في المساجد تعتبر من الفرائض التي يجب الحرص على أدائها وتوفير الشروط اللازمة لذلك، وتعطيلها دون مبرر شرعي يعتبر من الكبائر التي يجب تجنبها. وإذا كانت الضرورة الصحية سببا في منع الصلوات، فإن الضرورة تقدر بقدرها كما يقول الفقهاء. والمنع يجب أن يأتي على قدر منع الضرر وذلك تحقيقا لمصلحة المواطن الصحية والدينية معا. والمنع الزائد عن الحاجة الملحة يعتبر خروجا عن المصلحة الشرعية المعتبرة.

فصلاة الجمعة لا يمكن الاستمرار في منعها على جميع المصلين، والضرورة تقتضي فقط تحديد عدد المصلين وفرض الإجراءات الصحية عليهم، حتى يتحقق فرض الصلاة بالأقل الممكن. ففي الفقه المالكي فأقل عدد يطلب لأداء صلاة الجمعة هو اثنا عشر فردا، وهذا أفضل بكثير من التعطيل الكلي لعبادة الصلاة بالمساجد.

طالع أيضا  متوكل: اللحظة تقتضي التضامن ومد العون للضعيف والمسكين والمحروم

وأعجب من سماح وزارة الأوقاف بإعادة قراءة الحزب الراتب من القرآن الكريم بعد صلاتي المغرب والصبح المقصور على إمام المسجد وقارئين اثنين ومنع إقامة صلاة الجمعة، فما المانع من فتح المساجد لصلاة الجمعة مع تحديد عدد المصلين قياسا على فعل الوزارة مع الحزب الراتب؟ قلت قياسا تجاوزا، إذ لا يمكن قياس الفرض والواجب على المندوب والمستحب، وإنما هو عطف لفعل على فعل لبيان تهافت المبررات الشرعية لمنع صلاة الجمعة.

 المسجد قلب المجتمع وروحه

وهكذا يتبين لكل ذي عقل سليم أن مبررات فتح المساجد أقوى من كل تخوف قائم على الظن؛ فطمأنينة المجتمع وراحته وسر استقراره تكمن في روح المسجد وطمأنينة المسجد وهدوء المسجد. منه المنطلق لتحصين نفوس المواطنين وحمايتها من التوتر، لأن ذكر الله يورث الطمأنينة والسكون وخصوصا في مثل هذه الظروف التي انتشر فيها الوباء وزعزع نفوس الناس.

ومن ثَمَّ يصبح فتح أبواب المساجد ضرورة شرعية وحقيقة عقلية بشرط احترام الضوابط الصحية، وأما الإبقاء على غلقها ومنع صلاة الجمعة فقرار يفتقد إلى المصداقية ويجانب الصواب.

المسجد هو روح المجتمع والقلب النابض بالحياة، به تتقوى أواصر الأخوة بين المصلين، وفيه تتلى آيات القرآن صباح مساء، وهو ملاذ الحيارى والتائهين والراجعين إلى الله من عالم الغفلة والفتنة. قال تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة واتى الزكاة ولم يخش الا الله فعسى ألائك أن يكونوا من المهتدين سورة التوبة آية 18.

 افتحوا المساجد لأداء صلاة الجمعة

مما ذكر آنفا نخلص إلى انتفاء أي مبرر صحي أو شرعي للاستمرار في الغلق الشامل لمعظم المساجد ومنع صلاة الجمعة، فصلاة الجمعة عبادة ذات أبعاد تربوية وروحية واجتماعية، وهي من الذكر الذي أمر الله به في سورة الجمعة، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون سورة الجمعة آية 9. ومن تركها من المسلمين لغير عذر مقبول يطبع على قلبه بالغفلة ويأثم على فعله ومن منع المسلمين من أدائها لغير عذر مقبول يتحمل وزر ذلك المنع، فمن العبث حرمان ملايين المواطنين من إقامتها وشهود خطبتها على ما فيها من التقصير في معالجة قضايا الناس والمجتمع بسبب رقابة السلطة الدقيقة على كل همس فيها.

طالع أيضا  في فَيْءِ الحِجْر الصِّحِّـيِّ