أكتب هذه الكلمات بمناسبة خروج أخينا وحبيبنا عمر محب من السجن الذي أودع فيه ظلما وعدوانا. وبهذه المناسبة التي عشنا فيها معه ومع عائلته الصغيرة والكبيرة الفرحة، نحييه على صموده وثباته. فقد دخل رجلا وخرج رجلا كما هو عادة المؤمنين الصادقين. وقد ألهمتني المناسبة العظيمة أن أكتب هذه الكلمات عن الابتلاء، وخاصة الابتلاء بالسجن باعتباره مدرسة لتخريج الرجال. وهي كلمات نعلم يقينا أنها لا توفي بحقه، ولكن على الأقل تعبيرا عن الفرحة التي تختلج صدورنا.

فأقول: إن الإيمان بالحق والصدع به سواء كان فكرة أو مشروعا أو توجها أو انتماء لابد له من تبعات. هذه سنة الله تعالى في خلقه حتى يتميز منهم من يثبت على هذا الحق حتى النهاية ممن يتخلف عنه منذ البداية أو في وسط الطريق. وهذا ما يسمى بالابتلاء. يقول الله تعالى: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم 1. وقد ورد الابتلاء في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه: بمعنى النعمة، في قوله تعالى: وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا 2. وبمعنى الاختبار، في قوله تعالى: ليبلوكم أيكم أحسن عملا 3. وبمعنى المكروه، كما في قوله تعالى: وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم 4.

ويبتلي الله تعالى عباده تارة بالنعمة حتى يشكروه، وتارة بالمضار حتى يصبروا عليها، فصارت المحنة والمنحة كلاهما بلاء. والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر. ومن خصائص سنة الابتلاء أنها عامة لا تستثني أحدا من العباد. فهي كما تصيب الطالحين والمفسدين، تصيب الصالحين والمصلحين، فضلا عن الأنبياء والمرسلين، بل هي في المصطفين من عباد الله أشدّ منها في غيرهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أشدّ الناس ابتلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل” 5.

فكان اختصاص الله تعالى الأنبياء والمرسلين عليهم السلام بالابتلاء إنما ليجعل منهم مواطن الأسوة والقدوة للناس. وكذلك يختص الله تعالى في كل زمان ومكان من عباده المؤمنين من يجعله أهلا لتلك القدوة والقيادة.

طالع أيضا  تناقضات الشاهد المُزوِّر التي كلفت عمر محب 10 سنوات سجنا(2/5).. الأشخاص المعتدون

ومن حكمة الله تعالى أنه نوّع وسائل الابتلاء التي يختبر بها عباده. ففي القرآن الكريم نقرأ عن أنواع من الابتلاء لأنبيائه، فنجد مثلا الابتلاء بالتهم والسخرية، والابتلاء بالنار، والابتلاء بالقتل، والابتلاء بالسجن، والابتلاء بالنفي، والابتلاء بالتعذيب إلى غير ذلك. وأمام كل هذه الابتلاءات دائما يخرج المؤمنون الصادقون وقد ازدادوا إيمانا وصلابة وصمودا بفضل الله تعالى، فهو مثبتهم وناصرهم في كل محنة لتنقلب عليهم منحة وانتصارا مبينا.

وكل ابتلاء من هذه الابتلاءات التي كان يمثلها نبي كمحور تدور عليه سجلها لنا القرآن باعتبارها مدرسة للتخرج ومثالا يحتذى للأتباع. فالابتلاء بالسجن كان محوره سيدنا يوسف عليه السلام، يحكي لنا القرآن كيف دخل إليه مظلوما وكيف خرج منه منتصرا مرفوع الرأس. والوصف الذي أطلقه عليه من عاشره وهو مظلوم داخل السجن بأنه كان من المحسنين، هو نفسه الوصف الذي أطلق عليه وهو منتصر عندما مكنه الله بزمام الأمور خارج السجن. إنا نراك من المحسنين. قد يتغير كل شيء في المؤمن الصادق عند الابتلاء، لونه وصحته وعمره، إلا الإحسان فإنه يبقى فيه ثابتا، إن لم يزدد لا ينقص. ونحسب أخانا عمر كذلك ولا نزكي على أحدا.

ومن أعظم هذه الابتلاءات التي يشترك فيها الجميع سواء داخل السجن أو خارجه الابتلاء بالتكاليف امتثالا للأوامر وانتهاء عن النواهي، والابتلاء بتبليغ أمانة الدعوة للناس. فإنه لم يسلم أحد من هذا النوع من الابتلاء. وقد قصّ الله تعالى علينا ابتلاءه خليله إبراهيم عليهم السلام، فقال سبحانه وتعالى: وإذِ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمّهنَّ 6. وقد اختلف المفسرون في تفسير المعنى المقصود بالكلمات إلى أربعة عشر قولا. فهي كلمات قليلة العدد لكنها كثيرة الكُلفة. فلعلّ منها وهي الأعظم الأمر بذبح ولده إسماعيل عليه السلام. وحين ابتلي سيدنا إبراهيم عليه السلام بتلك الكلمات أتمّهنّ، أي وفّى بتلك التكاليف كلها. وقد قال الله تعالى مُنوها بنبيه: وإبراهيم الذي وفّى 7.

وحين نستقرئ آيات القرآن الكريم المتعلقة بالابتلاء نجد أن الله تعالى جعل أغراض هذا الابتلاء تنحصر في ثلاثة أغراض رئيسية:

طالع أيضا  تناقضات الشاهد المُزوِّر التي كلفت عمر محب 10 سنوات سجنا (1/5).. في سياق الأحداث

– الابتلاء من أجل التمحيص، ويندرج تحت هذا الغرض أربعة أسباب: الأول: لتمييز الطيب من الخبيث، والثاني: لتكفير الذنوب والمعاصي، والثالث: لرفع الدرجات عند الله، والرابع: لتفريغ القلب عما سوى الله تعالى.

– الابتلاء من أجل الإنذار، ابتلاء يستوي فيه الأمم والأفراد لعلهم يرجعون إلى الله فيتوبون ويستغفرون.

– الابتلاء للعقوبة، وقد قصّ الله تعالى علينا في القرآن الكريم نماذج وأمثلة كثيرة من هذا الابتلاء للقرى الظالمة والأمم الطاغية والأفراد المستكبرين والمفسدين في الأرض.

وفي الأخير نسأل الله تعالى أن يتقبل من أخينا محنته ويجعلها في ميزان الحسنات ويرفع له بها الدرجات. آمين.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

 


[1] محمد: 31.
[2] الأنفال: 17.
[3] الملك: 1.
[4] البقرة: 49.
[5] أخرجه الترمذي وابن ماجة والنسائي وغيرهم.
[6] البقرة: 124.
[7] النجم: 37.