أجرى موقع الجماعة حوارا مع الأستاذ عبد الحق بنقادى، عضو هيئة الدفاع عن الأخ “عمر محب” الذي أمضى عشر سنوات من الاعتقال الظالم، وفي هذا الحوار يكشف بنقادى عن ثلاثة خروقات “فاضحة” شابت ملف الاعتقال، ولماذا اعتبر الملف سياسيا وليس محاكمة عادية، فضلا عن إشارته إلى التفرغ العلمي للأخ  “عمر محب”، حيث أضاف إلى إجازته التي حصل عليها في الفيزياء أجازتين أخريين في القانون والدراسات الأمازيغية، وماستر في الدراسات الأمازيغية، إضافة إلى دبلوم التقني في الإعلاميات، ولم يغفل ما كان يقوم به في السجن من مشاركة في الندوات العلمية وتأطير أفواج في مادتي الفيزياء والرياضيات.

هذا نص الحوار:

مرحبا بك أستاذ بنقادى معنا في موقع الجماعة لمناقشة ملف المعتقل السياسي المفرج عنه “عمر محب”.

1- الآن وقد أنهى عمر محب مدة محكوميته، وبعد 10 سنوات من تنفيذ الحكم النهائي، هل مازلتم مصرون في هيئة الدفاع على أن الملف مفبرك وأن عمر تعرض للظلم؟

 بداية لا يفوتني أن أهنئ الأستاذ “عمر محب” وأسرته الصغيرة والكبيرة بمناسبة مغادرته أسوار السجن بعد انقضاء مدة محكوميته، ونتمنى الحرية لجميع معتقلي الرأي والحرية في هذا الوطن العزيز.

واسترسالا فيما طرحتم فإننا في هيئة الدفاع لا نشك قيد أنملة في براءة مؤازرنا السيد “عمر محب”، ولعل المطلع البسيط على تفاصيل هذه القضية ووثائقها وحججها وتناقضات “الشاهد الخصم”، وشهادة شهود النفي الحاسمة التي أكدت أن السيد عمر محب لم يكن أصلا موجودا في مسرح الجريمة بفاس بسبب مشاركته في ملتقى طلابي بالبيضاء آنذاك، وكذا خروقات الملف ككل ستتأكد له براءة عمر براءة مطلقة ناصعة لا شك ولا لبس يختلجها.

2- هلا أعدتم تذكيرنا بأهم الخروقات القانونية التي شابت الملف؟

طالع أيضا  التجاوزات الحقوقية في ملف عمر محب على ضوء القواعد الدولية

هي خروقات شكلية وموضوعية بالجملة، جعلت من هذه القضية قضية ولدت خارج رحم القانون وبعيدا عن أبجديات المحاكمة العادلة المتعارف عليها، ولعل أهمها:

*الخرق الأول: انعدام حالة التلبس التي حدد حالاتها قانون المسطرة الجنائية، فالوقائع حدثت سنة 1993 بينما السيد “عمر محب” لم يعتقل حتى سنة 2006 أي بعد أكثر من 13 سنة، وهو أمام انظار السلطات بفاس يعرفه القاصي والداني حيث كان له عنوان معروف وعمل قار يتمثل في تنظيم معارض الكتاب في عدد من الفضاءات العمومية، وبالتالي لم يضبط في أي حالة من حالات التلبس المنصوص عليها قانونا، ولم يكن هاربا من العدالة كما حاولت بعض الجهات أن تسوق.

*الخرق الثاني: خرق شكلي فاضح يتعلق بكون التكييف القانوني للأفعال والوقائع سبق الحسم فيها بمقتضى قرار قضائي اكتسب قوة الشيء المقضي به، وذلك بمناسبة محاكمة متهمين من ضمنهم “الشاهد الخصم” عن نفس الأفعال والوقائع بتهمة “ارتكاب أفعال الضرب والجرح المفضية للوفاة”، وأعادت غرفة الجنايات الاستئنافية التكييف من جديد ووصفتها بأنها مجرد “جنحة المشاركة في مشاجرة أفضت إلى وفاة”، وطعن بالنقض في هذا القرار وأبرمته محكمة النقض. وعليه وحتى لو فرضنا جدلا بأن السيد “عمر محب” عنده ولو شبهة تورط في هذه الأحداث وهذا مستبعد جدا، كان الأجدر قانونا وقضاء وفقها أن يتابع بهذا الوصف الذي استقر عليه القضاء كباقي من توبعوا قبله وحوكموا ولا يتم استثناؤه ومتابعته بـ “جناية القتل العمد”، وبالتالي تتقيد ولا تتجاوز المحكمة موضوع النقطة القانونية التي حددتها محكمة النقض باعتبار هذه الأخيرة محكمة قانون أوكل إليها المشرع صلاحية تفسير القانون وتوحيد الاجتهاد القضائي.

*الخرق الثالث: يتعلق بإدانة السيد “عمر محب” بناء على شهادة وحيدة وواحدة لمتهم جمع بين صفة الخصم والمشتكي والمشتكى به والمتهم الضالع في نفس الأفعال الإجرامية، والذي   ثبت من خلال تصريحاته في جميع مراحل الدعوى أن له عدة روايات مختلفة ومتناقضة في النقطة الواحدة، والتي وثقتها هيئة الدفاع حرفيا في مذكرة ضمن وثائق ملف النازلة، ومع ذلك اطمأنت المحكمة لهذه الشهادة المتناقضة وغير القانونية شكلا وموضوعا، في حين استبعدت شهادة شهود النفي الذين أدوا اليمين القانونية أمامها وأجمعوا بشكل صريح على أن السيد “عمر محب” يوم وقوع الحادثة لم يكن موجودا بفاس أصلا وأنه كان مشاركا في فعاليات أحد الملتقيات الطلابية المنظمة بالدار البيضاء آنذاك.

طالع أيضا  عمر محب.. بورتريه معتقل سياسي

هذا بالإضافة إلى عدة خروقات أخرى لا يتسع المجال لسردها.

3- هل تعرض محب لتعسفات أخرى حين كان معتقلا في السجن؟ ما هي؟ ولماذا؟

لقد تعرض بداية لمسلسل من الترحيلات التعسفية بين أربع سجون بدءا بسجن “عين قادوس” ثم سجن “صفرو” وسجن “بوركايز” ثم سجن “رأس الماء”، ناهيك عن الحرمان من بعض الحقوق البسيطة والمشروعة وبعض المعاملات المهينة، التي كانت أسرة المعتقل وهيئة الدفاع من حين لآخر تكشفها للرأي العام في عدد من بلاغاتها، ولعل ذلك بمثابة دليل آخر يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هذه القضية استثنائية تصفى من خلالها حسابات ضيقة لا أقل ولا أكثر.

4- البعض يرى أنكم تتعسفون وأنتم تعتبرون عمر محب معتقلا سياسيا؟

بالرجوع إلى ما ذكر سلفا من خروقات الملف وملابسات القضية وطبيعتها والتطورات التي عرفتها المحاكمة ومدتها وظرفيتها والتجاذبات السياسية لأطرافها، كلها مؤشرات جعلتنا في هيئة الدفاع نقتنع بأن هذه المحاكمة التي فقدت فيها أبسط شروط المحاكمة العادلة هي محاكمة سياسية بامتياز إلى أن يثبت لنا العكس.

5- كيف هي الحالة الصحية والنفسية لمحب؟

نتيجة الإهمال الطبي ونمط الأكل وطبيعته وضعف البنية الصحية المتعارف عليها داخل المؤسسات السجنية، تعرض السيد “عمر محب” طيلة فترة سجنه لعدة أمراض ومشاكل صحية ألمت به، من قبيل مرض “الصرع” و”الربو” و”الحساسية” و”صداع في الرأس” و”تمزق في العضلات” وكذا “إصابة بليغة في كتفه الأيمن” نتيجة البرد القارس الذي يعرفه السجن بسبب قلة التدفئة والأغطية اللازمة، وهذه الأمراض بطبيعة الحال والمعاناة كان لها أثر نفسي ومعنوي بالغ عليه وعلى أسرته التي عاشت معه هاته المعاناة، لكن كل ذلك لم يفت في عضد الرجل وقناعاته ومبادئه التي يعيش من أجلها كباقي شرفاء هذا الوطن الجريح.

طالع أيضا  من الاعتقال إلى الإفراج.. كرونولوجيا مظلومية عمر محب

وتجدر الإشارة كذلك ورغم حجم المرض والمعاناة إلى أن الأستاذ “عمر محب” حول فترة سجنه إلى فرصة ذهبية في القراءة والتحصيل العلمي، وهكذا لم يكتف بإجازته في الفيزياء بل حاز وبميزات جيدة على إجازة في القانون، وديبلوم تقني في الإعلاميات، ومتابعة دراسته في سلك الماستر والإجازة في الدراسات الأمازيغية، كما كان يعطي دروس الدعم والتقوية في مواد الرياضيات والفيزياء وشارك في تأطير عدة ندوات ومحاضرات علمية داخل السجن.