بحلول الثالث من أكتوبر من هذا العام (2020م) يكون المعتقل السياسي عمر محب قد استكمل العشر سنوات التي قضت بها غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس، في ملف اجتمعت فيه كل أركان الاعتقال السياسي، الهادف إلى تصفية حسابات سياسية مع اختيار مجتمعي وموقف سياسي عصي على التدجين والترويض. ملف تعرّض فيه القانون والقضاء لأبشع توظيف، واستهدفت فيه كرامة مواطن قبل حريته بسبب جريمة لم يرتكبها، بل كان بينه وبينها برزخ من الزمان والمكان.

لم تفلح السنون العشر بكل ما لاقى فيها عمر محب من صنوف التعسف والتعذيب الممنهج والحرمان من أبسط حقوقه في كسر إرادته، لأنه كان يعرف حتما أن المقصود ليس هو لذاته بل الفكرة التي في ذهنه أن تحاصر أو تُنسى، والجماعة التي في قلبه أن تُستنزف أو تُستدرج، والحرية التي في وجدانه أن تسلب أو تركع.

في سياق الاعتقال المتعسف والحكم الظالم

يجسد اعتقال عمر محب أزمة نظام مع شعاراته وقوانينه ومؤسساته، والتي وإن أفرغها من كل محتوى ونفس ديمقراطي، فإنه لم يستطع الالتزام حتى بما تركه فيها تعمية وتمويها. ففي شهر أكتوبر من سنة 2006، وفي سياق حملة سلطوية على مبادرة جماعة العدل والإحسان التواصلية لإسماع صوتها لعموم الشعب المغربي بأساليب حضارية لاقت تجاوبا لافتا وواسعا ما أزعج سلطة تتوجس من كل فكرة جادة ومشروع جدي لبناء وطن الكرامة والحرية والعدالة، اعتقلت السلطات المحلية بفاس محب بينما كان يتهيأ لإقامة معرض تجاري في ساحة عامة بوسط المدينة، بناء على مذكرة بحث مزعومة صادرة في حقه تعود إلى سنة 1993 في موضوع مقتل الطالب آيت الجيد، في الوقت الذي كان فيه يعيش على مرأى ومسمع من الجهات الرسمية طيلة هذه المدة، بل على علاقة إدارية دائمة – في إطار عمله التجاري وكذا المعارض التي يُنظمها – مع السلطات بفاس.

اعتقال كان إيذانا بانطلاق مسلسل حضرت فيه كل حسابات السلطة إلا حساب من يفترض أن عمر محب اعتقل بسببه؛ حكم ابتدائي أول بتاريخ 11 شتنبر 2007 قضى بإدانته من أجل جناية القتل العمد ومعاقبته بعشر سنوات سجنا نافذا، ثم حكم استئنافي بتاريخ 18 دجنبر2007 عدل القرار الابتدائي وخفض العقوبة إلى سنتين حبسا نافذا بعد إعادة تكييف التهمة على أنها جنحة المساهمة في مشاجرة ارتُكب أثناءها عنفٌ أفضى إلى موت.

طالع أيضا  الحرية تليق بك يا عمر

قضى محب السنتين القاسيتين وغادر السجن بتاريخ 15 أكتوبر 2008، لكن غليل سلطة تهوى الايغال في الايذاء لم يشف بعد، ليكون محب على موعد مع الاعتقال الثاني في 3 أكتوبر 2012 لتنفيذ حكم غرفة الجنايات الاستئنافية الصادر بتاريخ 23/04/ 2009 والذي أقرته محكمة النقض والقاضي في حقه بعشر سنوات نافذة، بعد إلغاء الحكم الاستئنافي الأول الذي استنفذ عمر مدته كاملا.

فراغ قانوني وتوظيف سيئ للقضاء

شَابَ اعتقال السيد عمر محب ومحاكمته خروقات قانونية جمة؛ فقد رصدت هيئة دفاعه خرقات على مستوى الشكل والمضمون، أكدت نية من يقف وراء الاعتقال. فالرجل زج به في غياهب السجون لا لجرم ارتكبه، ولا لشخص آذاه، ولا لذنب اقترفه، بل لفكرة آمن بها ولحركة مجتمعية سلمية اقتنع بمحجبتها اللاحبة ورؤيتها السلمية في التغيير لبناء مجتمع العدل والكرامة.

انعدمت حالة التلبس في موضوع متابعة السيد عمر وراوحت المدة الزمنية الفاصلة بين تاريخ الواقعة وتاريخ الاعتقال الأول قرابة 13 سنة كاملة كان فيها السيد محب يمارس حياته الطبيعية في علاقة متواصلة مع الإدارة مثل غيره من المواطنين، بل كان ينظم سنويا معرضا للكتاب بترخيص قانوني من السلطات الإدارية بفاس. كما سجلت هيئة الدفاع خرق مقتضيات المادة 4 من قانون المسطرة الجنائية الذي ينص على أنه تسقط الدعوى العمومية بصدور مقرر اكتسب قوة الشيء المقضي به، مما يشكل مانعا من سماع الخصومة الجنائية بأي وصف آخر غير المشاركة في مشاجرة أدت إلى وفاة، الذي بموجبها قضى محب سنتين، أضف إلى ذلك سقوط الدعوى العمومية بالتقادم.

إضافة إلى هذه الخروقات الشكلية رافعت هيئة دفاع محب بقوة ضد خروقات جمة على مستوى الموضوع منها تناقضات الشهيد الوحيد والمتهم في نفس القضية سواء في سياق الأحداث والأشخاص الذين شاركوا في الجريمة وعددهم ووسيلة الاعتداء وكيفية التعرف على السيد عمر محب. كما أن العناصر التكوينية لجناية القتل العمد من ركن مادي قوامه توجيه نشاط الجاني إلى الاعتداء على حياة شخص وحصول النتيجة وهي الوفاة وركن معنوي وهو القصد الجنائي غير ثابتة في حق السيد عمر محب ولا تنسجم والأفعال والوقائع المسطرة في محاضر الضابطة القضائية المنجزة سنة 1993.

طالع أيضا  من الاعتقال إلى الإفراج.. كرونولوجيا مظلومية عمر محب

مسار الاعتقال والمحاكمة وما تبعه من ظروف السجن والتعذيب والتنقيل المستمر والحرمان من الحقوق الأساسية وراء زنازين الظلم والتنكيل، يؤكد أن شعارات القانون والقضاء العادل في هذا البلد لا تصمد أمام نزوعات السلطة عندما تريد تصفية حسابات ضيقة ضيق مساحة ديمقراطيتها المعلنة.

ملف سياسي بامتياز

إن ظروف وسياق هذا الاعتقال الظالم لهذا المواطن الحر الكريم، الذي حرم من حضن زوجه وأولاده وذوي رحمه ومحبيه مدة عشر سنوات كاملة، بل منع حتى من إلقاء نظرة أخيرة على أمه التي توفيت حزنا وكمدا على فلذة كبدها، وإن هذا الصمود الذي قابل به عمر محب هذا الابتلاء العسير، ليجعلنا نقول أن هذا الملف ملف سياسي بامتياز.

ويكفي هنا أن يعرف متتبع بسيط للأحداث آنذاك أن الاعتقال الأول كان في خريف 2006 ليستنتج أن المقصود ليس عمر محب الشخص بل عمر محب الدعوة، عمر محب المشروع، عمر محب الموقف. تعرضت جماعة العدل والإحسان سنة 2006 لحملة قمعية من طرف أجهزة المخزن؛ حملة لم يسبق لها مثيل لأنها كانت عامة وشاملة استهدفت أعضاء الجماعة وأنصارها في مختلف مناطق البلاد وحتى خارجه، واستمرت لمدة طويلة، ولم تفرق بين النساء والرجال والأطفال.

حملة كانت بمثابة رد فعل عنيف على سلسلة من الأنشطة التي نظمتها العدل والإحسان آنذاك وأطلقت عليها اسم “الأبواب المفتوحة”، وهي أنشطة تعارفية وتواصلية وإشعاعية كان الهدف منها المزيد من التواصل وتوضيح خط الجماعة ومبادئها ومواقفها ومنهاجها. وكان الاعتقال والمحاكمة الصورية التي نالت عمر محب وعددا كبيرا من أعضاء الجماعة؛ جزءً من سلسلة إجراءات ظنتها السلطات رادعة للجماعة من قبيل مداهمة البيوت وترويع الآمنين، وسرقة الممتلكات وإتلاف التجهيزات، والاختطاف والغرامات المبالغ فيها، وإغلاق البيوت وتشميعها، وتشريد العائلات وإيقاف الخطباء والوعاظ وقطع الأرزاق…

أما حكم غرفة الجنايات الاستئنافية الصادر بتاريخ 23/04/ 2009 فيأتي بدوره في سياق خاص جدا خسرت فيه السلطة رهانا صعبا في كسر إرادة الجماعة، ففي هذه السنة استكمل معتقلو طلبة العدل والإحسان مدة محكوميتهم التي امتدت عقدين من الزمن في ملف آخر من ملفات الاعتقال السياسي التي وظف فيها القضاء في غير وظيفته، وشاهد آخر على ثبات رجال العدل والإحسان رغم كل المحن التي لاقوها في طريق دعوتهم السلمية.

طالع أيضا  ذ. فتحي يهنئ محب: لن توفيك الكلمات حقك

الاعتقال الثاني سنة 2012 له أيضا دلالته السياسية في معاناة الجماعة في سبيل نصرة قضايا شعبها، وإن حاولت السلطة التستر تحت غطاء إحياء عائلة الطالب أيت الجيد للملف. فهذا الاعتقال الظالم كان بمثابة تصفية خاصة لموقف مبدئي اتخذته الجماعة عندما هب الشعب المغربي سنة 2011 مطالبا بإسقاط الاستبداد والفساد، ومناديا في إطار حركة 20 فبراير بمغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. فقد كانت الجماعة من أولى التنظيمات التي أيدت خروج شباب التغيير بل ونزلت في قرى المغرب ومدنه داعمة الأمل في التغيير عبر محطات ومسيرات خالدة في تاريخ بحث هذا الشعب عن حريته.

موقف أدت الجماعة ولا تزال، اقتناعا وليس منة، أثمانا باهظة، كان اعتقال عمر محب والزج به للمرة الثانية في غياهب السجون إحدى هذه الأثمان إلى جانب أخواتها من كل صنوف التضييق والتشميع والإعفاء من المناصب التي مست أعضاء وعضوات الجماعة صابرين محتسبين ثابتين غير مبدلين.

عمر ينتصر على سجانه

خرج عمر، كما خرج الاثنا عشر قبله وغيرهم كثير، ثابتا شامخا صامدا في وجه آلة سلطوية ضخمة، وظفت فيها كل وسائل التدمير القانونية وغير القانونية، وتنوعت فيها أشكال الاستهداف الاجتماعي والنفسي والبدني ليعود لحضن زوجه وذريته وأهل بيته وإخوانه الصابرين المحتسبين.

 تخرج عمر من مدرسة يوسف عليه السلام، ونال شهادة الصديقية، وزكى رسالة سلفه أن العقد أو العقود، لن تزيد دعوة العدل والإحسان إلا زاد قوة ومداد صبر لمواصلة مسيرة تحقيق العدل في البلاد والإحسان للإنسان.

فهنيئا لك يا محب بلقاء من أحببت، وجمعك الله، ونحن معك، مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، والأحباء الأصفياء من الأنبياء والأولياء والصالحين في مقعد الصدق عند المليك المقتدر.