تنويه وتنبه:

كتبنا هذه الفقرات فرحا بخروج الأستاذ عمر محب من سجن الظلمة، وذلك بعد أن أدى الثمن وافيا لمواقفه الرجولية وفاء لدعوة العدل والإحسان، كل ذلك رجاء لما عند الله ونصرة لدين الله. وإن للأستاذ عمر نصيبا وافرا من اسمه محبة غامرة بشذى الإيمان، وعمرية اقتحام للصدع بالحق والثبات على نهج الصابرين.

كان من القدر المقدور علما أزليا، ومن المشيئة الإلهية حكمة ربانية، أن أراد الله عز وجل أن يبتلي الأستاذ عمر محب فيقضي وراء أسوار القضبان ظلما وعدوانا وتجبرا وبهتانا عشر سنوات من عمره البهي، لا لشيء سوى لتصفية حسابات سياسية مع جماعة العدل والإحسان الفاعل التربوي المجتمعي الفكري السياسي الموجود بالقوة والفعل.

ليس في هذا المكتوب نظر في الحيثيات والأسباب التي واكبت الاعتقال وسجن الظالمين للرجل، فقد استوفى أهل الاختصاص من قانونيين وفاعلين مجتمعيين الحديث عن ذلك. إنما في الوريقات بعض تأملات وبضع تساؤلات في ظاهرة الاعتقال السياسي كما مرت بها جماعة العدل والإحسان.

إن الذي يقرأ تاريخ جماعة العدل والإحسان بقلب سليم وعقل واع وإرادة متحررة ونظرة موضوعية منصفة، سيستخلص أنه أمام تاريخ من الصدق المكلل بعناية المولى جل علاه، وأمام تاريخ صناعة فلك النجاة من طوفان الجبر بأعين من لا ينام ولا يغفل طرفة عين، ولعل وقوفنا عند بعض محطات الفعل العام للجماعة يكشف عن ذلك الصدق المقرون بمعاني الرجولة والثبات.

لما قام الأستاذ عبد السلام ياسين في 1974 وكتب رسالة الإسلام أو الطوفان إلى الملك الراحل، ناصحا ومقترحا مشروع تغيير عمقه التوبة العمرية (نسبة إلى عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد) كان ذلك في ظروف الكل يعلمها: ظروف الانقلاب والشطط في مواجهة الانقلابيين مما تكشفت جرائمه ومخازيه مع الأيام. كان الرجل وحده بمعيته اثنان من أصحابه، وإذا كان البعض قد لا يفهم ما الذي يدفع رجال تربية وتعليم يحبون وضعية اجتماعية مريحة للتصدي لمن خبره التاريخ جلادا في الحدائق السرية منها والجهرية في تازمامارت والقلعة والحدائق؟ فإن مما لا يخفى أن سابقة العناية الربانية الحافظة موجودة لهذا الرجل، الذي تحدث بكلمة الصدق الجريئة في زمن لم يكن يجرأ أحد على أخذ النفس بله التصدي لجبروت الحكم. ولربما سيكون مفيدا جدا البحث في السياقات التاريخية والملابسات العامة التي حكمت الفعل “النضالي” للرجل، وذلك إنصافا للحقيقة واستكمالا للصورة التاريخية لحركة المقاومة والنضال التي تلت مغرب الاستقلال، سدا للثغرات الكبرى والثلمات العظمي في تاريخ المغرب السياسي المغيب المسكوت عنه.

طالع أيضا  عمر محب.. ثبات آخر يؤكد فشل الاعتقال السياسي في حق دعوة العدل والإحسان

ستأتي تجربة الإخوة المعتقلين الإثني عشر، لتقدم نموذجا سامقا في الثبات والرجولة جديرا بالدراسة والتمحيص هو الآخر! إذ ما الذي يجعل طلابا شبابا صغارا -يحيون حياة عادية وسط عائلات مغربية عادية- يثبتون في سجون الدولة مدة عشرين سنة؟ دخلوا مجتمعين وخرجوا مجتمعين دون أن يتفرقوا أو يتشتتوا. ولنقرأ تجارب الاعتقال في سجون عبد الناصر وتجارب اليسار في دول عديدة لنعرف فضل الله ومعيته في حفظ الله لهؤلاء، ولنعرف حجم الثبات الرجولي الذي سجله اثنا عشر رجلا في تجربة النضال الطلابي والاعتقال السياسي. وقد ينضاف لتجربة هؤلاء ما قدمه معتقلو فاس ومنهم الأستاذ والطبيب والصيدلاني والجامعي والموظف من بذل عال نظير مبادئهم ومعتقدهم، وهي تمثل حالة أخرى جديرة بالتأمل والتمعن.

في سنة 2006 وما بعدها اعتقل المخزن المغربي آلافا من أعضاء جماعة العدل والإحسان، رجالا ونساء أطفالا وشبابا وصغارا من وسط مجالس الذكر والقرآن في ما يمكن وصفه عرفا بأكبر حملة للاعتقلات في تاريخ المغرب المعاصر، والعجيب أن هؤلاء يعودون إلى مكان الاجتماع مهللين فرحين لا يخافون إلا الله. إنه الثبات على المبدأ والموقف والإصرار على نهج الصادقين الصابرين من حملة رسالة رب العالمين إلى خلق الله أجمعين.

ولنا في اعتقال الأستاذ عمر محب نموذجا آخر مشرقا جديرا بالتمحيص، فقد اعتقل الرجل الشاب والزوج صاحب البيت والعيال ظلما وعدونا وهضما وبهتانا. واتهم بجريمة قتل هو منها براء، وتمت مساومته وأدى ضريبة الانتماء وظل ثابتا واقفا رجلا. ليقضي زهرة شبابه عقدا من الزمن في سجن الجبر من دون أن تلين قناته أو يعرض نفسه وتاريخه ومبادءه للبيع والشراء في زمن الذمم فيه رخيصة، والإغراءات متنوعة، والقبضة شديدة، والظلم فادح، والمعين قليل.

ما الذي أرادته الدولة من عمر ومن أصحابه قبل الآن؟ إنه ما يريده الظلمة في كل زمان ومكان: أن يشركوا بالله آلهة أصناما بشرية تقصد من دون الله، وأن يركنوا إلى الظالمين يتخذونهم ملاذا أمينا وركنا مكينا، وأن يشهدوا الزور بفرادة وريادة وسيادة القائد الفذ والزعيم الملهم، وأن يدخلوا حظيرة المبجلين المتنعمين بثروة البلاد عتوا وفسادا الصامتين خوفا وجبنا وبلادة. والدولة بعد ذلك تريد أن تقدم الدرس وتضرب المثل لمن يخرج عن الطاعة تخويفا وتهويلا حتى لا يسلك من تسول له نفسه السبيل ذاته ما دام المصير نفسه معلوما معروفا.

طالع أيضا  عمر محب يَنتَصِرُ على سجَّانه.. سَالما تَعُود صَامدا تَبْقى

كيف يمكن أن نتلمس فهما وتفسيرا لمواقف الرجولة والثبات هذه؟ لعل أول الأسباب هو حفظ الله عز وجل لأوليائه وأحبابه فالله خير حفظا وهو أرحم الراحمين. ثم الأمر عائد بعد ذلك إلى المشروع التربوي المجتمعي الجامع للفهم والإرادة والسعي والحركة، الذي أثل معالمه الأستاذ عبد السلام ياسين، والذي من معالمه المتأصلة التركيز على الأساس التربوي بأن تكون الوجهة معروفة مقصودة، ألا وهي إرادة وجه الله عز وجل، ثم السعي لنصرة دعوته وتبليغ رسالته.

 وعلى عظم هذه النية وتلك الوجهة تأتي المواقف بارزة ناضجة متوهجة سامقة على المحجة اللاحبة، من ذلك أن مواقف مثل مواقف الأستاذ عمر محب ومن شابهه من أهل الله هي مواقف من حسم مع نفسه ووطدها على اقتحام العقبة، ثقة بالله وبذلا للنفس والمال في سبيله، فهذا هو الزاد الروحي الإيماني الباعث والمحفز. وهي المواقف التي تعي أن الرهان على إيثار العافية في البدن والمال والأهل، والسكون الأخرس عن قول الحق، والركون في دهاليز السرية والهامشية ليست من المنهاج النبوي في شيء.

إن للكلمة الحق في وجه السلطة الجائرة ثمنا يؤدى هنا هو صنوف الابتلاء والتمحيص، وجزاء يقدم هناك هو رضى الله. وما أهون الثمن أمام الجزاء المنتظر وعد صدق من مليك مقتدر! إنهم صنف الرجال الذي تصنعهم التربية النبوية وتمحصهم الابتلاءات والشدائد حتى إذا حصل التيقن الكامل بخيرية ما عند الله عز وجل كان لسباقهم ومسارعتهم إلى ما عند الله الغلبة على عوامل الجبن البشري المتأصل في النفوس الآدمية.

ثم تأتي الجماعة الراعية الحاضنة لتكون المحضن الذي يشتغل دعاته على واجهات الدعوة والتربية والتنظيم والحركة والفعل المتكامل، مع الاستعداد الدائم لـ”دفع الثمن والتربية بالمواقف الناصعة”، فتنعكس التربية الإيمانية على فهم وسلوك العضو الفاعل، فإذا هو شعلة من العمل الدؤوب الذي لا يني ولا يكل ولا يمل، يقول الإمام عبد السلام ياسين في هذا المعنى: “فإن عضو جماعة المسلمين المجاهد إذا كان في مستوى الإيمان والإحسان هو لبنة البناء. فعلى نوعية تربيته يتوقف نجاح القومة الإسلامية في القطر والعالم. وللقومة شروط، بعد قوة إيمان المؤمن، تتلخص في إحكام التنظيم على شريعة الله، محبة بين المؤمنين، وشورى، وتناصحا، وطاعة. تتلخص في القدرة الجماعية على التفاعل مع الظروف الداخلية والخارجية، قدرة تريد علما، ووسائل، وتخطيطا ومرونة”. المنهاج النبوي ص20.  فنكون هنا إزاء ثلاثية ناظمة لمسلك الرجولة والثبات: سابقة حفظ ربانية راعية معتنية، تربية إيمانية متجددة على الصدق، وعمل جماعي بمشروع مجتمعي على قواعد المحبة والشورى والانضباط.

طالع أيضا  عاجل: عمر محب يعانق الحرية.. والسلطة تعمد إلى إخراجه بطريقة "هتشكوكية"!!

تعتقد الأنظمة الحاكمة المتسلطة أن محاربة الدعوة الإسلامية هي محاربة على مستوى النزاعات الأرضية المادية، وتنسى أن حصر دعوة الله واعتقال الدعاة هو حرب لله ولرسوله ولدينه، وتنسى أن مصير الذين سبقوا ممن سلكوا نهج القمع والظلم هو البوار المبين في قعر النسيان التاريخي. وأن النهج الدعوي سيستمر وسط حملات السخرية والاستهزاء والاتهامات والظلم محجة لاحبة في صناعة الرجال وصناعة التاريخ للصبح الموعود والأفق المنشود نصرا لدين الله وتمكينا لجند الله. والله غالب على أمره ولو كره الظالمون واستبد المستبدون واعتقل المعتقلون.