مرّت سنوات الظلم التي حاول الجلادون فيها الانتقام من عمر محب ظلماً وعدواناً، ومن خلاله تصفية الحساب مع جماعة العدل والإحسان، وأمضى محب 10 سنين كاملة متنقلا بين سجون الوطن، فارق فيها الزوجة المحتسبة الصابرة، وكبر في غيابه الأطفال الصغار، وتوفيت أمه المكلومة دون أن يسمح له بوداعها ودفنها وتلقي العزاء فيها، وتصرم عقد من الزمن من عمره بسبب إرادة متسلطة وسلطة مستبدة أغواها جبروتها المتوهم بتصفية الحساب مع انتماء دعوي وفكري وسياسي ينتمي إليه الرجل ويؤمن به.

عمر محب.. هو ذاك المواطن المغربي الذي مسه هذا الضر، الشاب المقبل على الحياة الطموح الآمل في المستقبل، قبل أن تنزل السلطة المغربية بقرارها فبركة للملف وإصدارا للحكم. 15 أكتوبر هو اليوم الذي يحمل ذكرى اعتقال الأستاذ عمر محب عضو جماعة العدل والإحسان بمدينة فاس، الذي غُيِّب 10 سنوات وراء أسوار السجن في ملف سياسي فارغ من الناحية القانونية.

كرونولوجيا الأحداث

الاعتقال الأول سنة 2006

الاعتقال الأول كان في 15 أكتوبر 2006، في سياق سلسلة التضييقات والاعتقالات التي طالت أعضاء جماعة العدل والإحسان منذ 24 ماي من نفس السنة، حيث اعتقلت السلطات المحلية بفاس محب، بينما كان يقيم معرضا للكتب في ساحة عامة بوسط المدينة، بناء على مذكرة بحث مزعومة صادرة في حقه منذ سنة 1993 في موضوع مقتل الطالب آيت الجيد، في الوقت الذي كان يعيش على مرأى ومسمع من الجهات الرسمية طيلة هذه المدة، أي بعد مرور 13 سنة على القضية، بل كان على علاقة إدارية دائمة – في إطار عمله التجاري وكذا المعارض التي يُنظمها – مع السلطات بفاس.

الدفاع يدحض تهمة المتابعة

أثبت دفاع محب أمام القضاء أن عمر محب كان موجودا بالملتقى الطلابي بالدار البيضاء في الوقت الذي حصل الاشتباك بين مجموعة من الطلبة بجامعة محمد بن عبد الله سنة 1993، والتي أفضت إلى جرح الطالب محمد بن عيسى أيت الجيد ثم وفاته في المستشفى بعد نقله إليه نتيجة الإهمال الطبي بحسب ما قاله رفاقه حينها. بل هذا ما أكده شهود النفي الذين استمعت لهم مختلف هيئات القضاء في هذه القضية، ولكن هذه الهيئات القضائية اعتمدت، وهذه من عجائب القضاء في هذا البلد، على شهادة واحدة ووحيدة لأحد المتهمين في الملف نفسه، والمدان من طرف غرفة الجنايات بفاس سنة 1994 بسنتين سجنا نافذة، وكان آنذاك متهما ومشتكيا ومطالبا بالحق المدني، أي خصما، بكل بساطة ووضوح وأسف!

طالع أيضا  عمر محب.. بورتريه معتقل سياسي

وبعد إتمام إجراءات التحقيق والمحاكمة صدر عن غرفة الجنايات الابتدائية بفاس قرار بتاريخ 11 شتنبر 2007 قضى بإدانته من أجل جناية القتل العمد ومعاقبته بعشر سنوات سجنا نافذا.

18 دجنبر 2007 جنايات الاستئناف تخفض الحكم إلى سنتين

بعد ذلك، عدلت غرفة الجنايات الاستئنافية في قرارها الصادر بتاريخ 18 دجنبر 2007 القرار الابتدائي وذلك بتخفيض العقوبة إلى سنتين حبسا نافذا بعد إعادة تكييف التهمة على أنها جنحة المساهمة في مشاجرة ارتكب أثناءها عنف أفضى إلى موت.

وبعد قضاء السيد عمر محب سنتين كاملتين بسجني فاس وصفرو في ظروف لا إنسانية تعرض فيها عدة مرات للتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الحقوق القانونية، غادر السجن بتاريخ 15 أكتوبر 2008.

23 أبريل 2009 جنايات الاستئناف تصدر حكما جديدا بـ 10 سنوات

لكن، ولأن الدولة المغربية لم تشف غليلها كاملا، ألغى المجلس الأعلى بتاريخ 29 أكتوبر 2008 هذا القرار الاستئنافي بناء على الطعن بالنقض المقدم من المتهم ومن النيابة العامة معا، وأعاد القضية من جديد أمام غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس التي أصدرت بتاريخ 23/04/2009 قرارها القاضي بتأييد القرار الجنائي الابتدائي. وهو القرار الذي أصبح نهائيا بعد أن رفضت محكمة النقض الطعن الذي تقدم به الدفاع.

الاعتقال الثاني سنة 2012

كان الاعتقال الثاني في 3 أكتوبر 2012 لتنفيذ حكم غرفة الجنايات الاستئنافية الذي أقرته محكمة النقض والقاضي في حقه باستكمال عشر سنوات نافذة كاملة خلف قضبان الظلم.

وتعرض المعتقل السياسي محب منذ اعتقاله الأول إلى كافة ألوان التضييق حيث تعرض في 2 يوليوز 2007 لاعتداء شنيع من قبل موظفي سجن بوركايز بمدينة فاس، مما نتج عنه أنه أصبح يعاني من دوار مستمر في الرأس، والتلعثم في الكلام، وعدم القدرة على التركيز بسبب الضرب الفظيع التي تلقاه على مستوى الرأس، هذا ناهيك عن الآلام الحادة التي يعاني منها على مستوى الكتفين والرجلين. ولم تجد الشكاية التي وجهها الأستاذ محب إلى السيد وكيل الملك لدى ابتدائية فاس ولا المراسلات التي بعث بها إلى مجموعة من الجهات الرسمية ومنها المندوبية السامية لإدارة السجون والمجلس الوطني لحقوق الإنسان…

طالع أيضا  ترقبوا البث المباشر لحفل استقبال البطل عمر محب "عن بعد"

14 مارس 2013 عمر محب يمنع من حضور جنازة والدته

ولتنضاف لاحقا إلى مظلومية الحكم الظالم ومظلومية التعذيب، مظلومية رفض النيابة العامة طلب دفاعه بتمكينه من حضور مراسيم جنازة والدته يوم الخميس 14/3/2013، ومظلومية تفاقم وضعه الصحي والنفسي جراء الظروف السجنية غير الملائمة، والإهمال الطبي الذي يعانيه.

29 فبراير 2016 يمنع من زيارة الطبيب

وبتاريخ 29 فبراير 2016 منعته إدارة سجن بوركايز من زيارة الطبيب المعالج، المختص في جراحة الدماغ، معرضة بذلك حياة السيد عمر محب للخطر الداهم نتيجة تدهور حالته الصحية تدهورا خطيرا على نحو يستدعي مراقبة طبية مستمرة من لدن طبيب مختص. ولم يتم السماح له بزيارة الطبيب المختص في أمراض الدماغ والأعصاب، إلا بعد توجيه شكاية في الموضوع إلى السيد المندوب العام للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج في شهر أبريل 2016.

سلسلة الترحيلات التعسفية

منذ اعتقاله وهو يتعرض لسلسلة من الترحيلات التعسعية آخرها بتاريخ 19 يوليوز 2016، حيث أقدمت إدارة السجن المحلي بوركايز بفاس على ترحيل المعتقل السياسي السيد عمر محب إلى سجن رأس الماء دون مبرر، ودون سابق إشعار. وقد تم تجريده أثناء عملية الترحيل من العديد من أغراضه، من قبيل الكتب، المراجع الدراسية، الأفرشة، بعض الألبسة، موصل كهربائي، تلفاز وغيرها.

وبعد نقله إلى السجن الجديد، تم إيداعه في زنزانة انفرادية ضيقة لا تتوفر على أبسط الشروط الضرورية للحياة، على نحو لا يتناسب وظروفه الصحية. إذ الأكيد أن الترحيل اتخذ كإجراء عقابي في مواجهة محب دون وجود ما يبرره، بدليل الظروف التي واكبت إجراءات الترحيل والطريقة المستفزة والمهينة التي تعامل بها حراس السجن معه، علما أنه لم يصدر أي مقرر تأديبي بذلك عن اللجنة التأديبية المنصوص عليها في المادة 53 من القانون رقم 23.98. ورغم أن توزيع السجناء على السجون ينبغي أن يراعي مجموعة من الاعتبارات من بينها سكنى عائلة السجين وحالته الصحية البدنية والعقلية، عملا بمقتضيات المادة 29 من القانون 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية.

طالع أيضا  إلى خريج مدرسة الإحسان

المرض.. معاناة تجدد

وتجددت معاناة محب مع الأمراض بسبب الإهمال المتعمد ستتكرر أواسط يناير من سنة 2019؛ إذ ستكشف زوجه ثم هيئة دفاعه أن الرجل يعاني “آلام حادة في الرأس وغيبوبات متكررة يفقد معها جزءًا من ذاكرته” مع التأخر غير المفهوم في “تحديد موعد لإجراء الفحص المطلوب داخل المستشفى العمومي”، فضلا عن عدم السماح بعرضه على مصحة خاصة لإجراء الفحص بالأشعة لأن هذا لا يسمح به في القانون المنظم للمؤسسات السجنية حسب ما زعمته الإدارة.

03 أكتوبر 2020 إفراج لم يسلم من التعسف

لم يسلم ملف عمر محب منذ اعتقاله من الخروقات. وحتى الإفراج عنه لم يسلم هو الآخر منها، حيث عمدت إدارة سجن رأس الماء بفاس على إخراجه في الساعة 6:50 صباح يوم السبت 3 أكتوبر 2020، قبل الوقت المخبور به بساعتين كاملتين، ونقله عبر سيارة أجرة رفقة ثلاث سيارات لرجال السلطة إلى بيت والديه، ما حال دون السماح لعائلته بمرافقته كما كان مرتبا.

إن اعتقال السيد عمر محب لم يكن إلا حلقة واحدة من سلسلة حلقات الحسابات السياسية للدولة مع الجماعة، فالحقيقة التي لا غبار عليها، والتي يعرفها الجميع، هي أن عمر محب كان بريئا من كل التهم المنسوبة إليه كما أثبت دفاعه ذلك بالوثائق والأدلة، وأن اعتقاله في 15 أكتوبر 2006 جاء في سياق الحملة الممنهجة ضد الجماعة منذ 24 ماي 2006.

في خضم هذه المحنة، ولدت منحة، بل منح، حيث نال الرجل ما قد يعجز غيره عن نيله خارج المحبس، حيث ارتقى بنفسه إلى درجات مشرفة في طلب العلم، بحصوله على شهادات علمية مشرفة في مجالات مختلفة، إضافة إلى علاقته بكتاب الله حفظا وضبطه للعلوم الشرعية، ثم منح ربانية أخرى قوت عزائمه، وخففت من آلام الظلم الذي لاقاه داخل محبسه، وها هو اليوم يخرج منتصراً معتزاً بمبادئه وفخوراً بإرادته التي لم تنكسر رغم كل الآلام.