بعد منتصف ليلة السبت 03 أكتوبر 2020 طويت عشر سنوات من عُمُر عُمَرَ محب عضو جماعة العدل والإحسان قضاها في السجن على خلفية جريمة توبع ويتابع فيها أكثر من طرف. غادر بعد أيام عمر محب معتقله ولـما يغلق ملف القضية بعد، وهو ما يطرح أكثر من سؤال على مصداقية متابعته، ولم تعد بعد عشر سنوات جدوى من التذكير بما شاب الـمحاكمة من تناقضات فيما اعتُبر الشاهد الرئيس في الإدانة، وإن كان الحق لا يتقادم على حد قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالة القضاء التي وجهها لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه لـمّا ولاه القضاء.

يغادر الأخ عمر محب غياهب سجن فاس بعد انقضاء مدة محكوميته باليوم والدقيقة، وهي مناسبة لتهنئته وأسرته الصغيرة فـي شخص زوجه السيدة خديجة سيف الدين، والتهنئة موصولة لأسرته الكبيرة ممثلة في جماعة العدل والإحسان ولكافة الفضلاء الـمنافحين على حرية الرأي والانتماء السياسي هيئاتٍ وأفرادا.

واعتبارا لـملابسات القضية التي توبع بها الأخ عمر محب تطفو إلى السطح تساؤلات وقضايا من قبيل:

– سؤال الاعتقال السياسي: دأبت الأنظمة الشمولية على نهج سياسة تكميم الأفواه ومصادرة الحق في الرأي والـموقف الـمخالف، ومسلسل الاعتقال السياسي لا يكاد يطوى ملف فيه إلا لتفتح ملفات أخر، ولأن الشيء بالشيء يذكر، يحضرني جواب الـمناضل إدريس بنزكري بطل مسرحية “الإنصاف والـمصالحة”، لـما سئل عن ضمانات عزم النظام على طي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، ومنها طبعا الاعتقال السياسي، فكان جواب الراحل: إن الضمانات تتمثل في عدم عودة الـمخزن لنهج الانتهاكات لحقوق الرأي والتعبير. رحل الـمناضل وبقي الاعتقال السياسي لأنه من مرتكزات أي استبداد ودعاماته.

تُرى، متـى يرشُد النظام ويرقـى في تعامله مع معارضيه تقبلا للاختلاف وتعدد زوايا النظر وفق الضوابط الـمعتبرة في العهود والـمواثيق الدولية؟ متى يرقى النظام في تعامله مع معارضيه ويربأ بنفسه عن اعتماد أساليب التشويش وتلفيق التهم الواهية من خلال التنصت وتتبع العثرات، وإن عزّت فلا تورُّع من اختلاقها؟

طالع أيضا  ذ. أودوني: عمر محب ظلم ظلما كبيرا سواء من الناحية القانونية أو الحقوقية أو الاجتماعية

– سؤال توظيف القضاء: تبريرا للنيل من معارضيه و”شرعنة” لحبسهم، تلجأ الأنظمة الشمولية لـــ”توريط” القضاء في قضايا تلفق فيها تهم لا علاقة لها بجوهر الـمتابعة، والأمثلة أكثر من أن تحصى، ويبقى ملف معتقلي حراك الريف أنصع مثال لتوظيف القضاء لتصفية الحسابات مع الـمعارضين.

– سؤال زيف شعارات “أنْسَنَة” السجون: إمعانا في النيل من الـمعارضين وكسر شوكتهم يحرص النظام على إقصاء الـمعارضين من الاستفادة من أسباب التخفيف من مُدد العقوبات السجنية في تناقض صارخ مع معاييره، فلا التحصيل العلمي ينفع، ولا الظروف الصحية والاجتماعية تشفع، مقابل ذلك، لا حرج في إعفاء مغتصبي الأطفال ومهددي السلم والاستقرار الاجتماعيين بهدر فرص التنمية وتبذير الـمال العام.

– سؤال الثبات على الـمواقف: يراهن النظام من خلال استهداف الـمعارضين بشتى الوسائل والأساليب على كسر شوكتهم وإجهاض مشاريعهم التغييرية ووأد أفكارهم التنويرية، ومن خلالهم ترهيب عموم الشعب وثنيه على الانخراط في دعاوى التغيير ومخططات الإصلاح. غير أن تجربة المخزن مع معتقلي جماعة العدل والإحسان باءت بفشل ذريع، فلا الـمعتقلين رضخوا لإغراءاته، ونالت منهم مضايقاته ووعيده، بل زادتهم التجربة السجنية على مرارتها رسوخا وثباتا على الـمواقف، ولم تصرفهم عن خطهم اللاحب فاستثمروا مدد محكومياتهم في التحصيل العلمي وحصد أعلى الشهادات، ناهيك عن حفظ القرآن الكريم، طلبة وجدة الاثنا عشر الذين قضوا عِقدين من زهرة أعمارهم في سجن القنيطرة نموذجا؛ ولا الجماعة باعتبارها الـمستهدف هادنت وقايضت حرية أعضائها بتليين مواقفها من النظام فتنكرت لانحيازها لـمطالب الشعب وحقه في الحياة الكريمة.

فتحية إكبار وتقدير للأخ عمر محب على ثباته وصموده، فليس سهلا الاعتقال بتهمة لم يغلق ملفها بعد أكثر من عشر سنوات. وتحية إجلال واحترام لزوجه الأستاذة خديجة سيف الدين التي نجحت في سد فراغ اضطراري لرفيق الدرب وكافحت كفاحا متعدد الأوجه، كافحت لتربية الأبناء، وما أصعبها مَهمة في غياب الأب! وكافحت لمساندة زوج معتقل بتهمة خبرت حقيقتها وهي المحامية، فلم تتوانَ في دعمه وشدِّ أزره وإسعاف جراحه النفسية، فليس أفدح من اختطاف أب في ذروة شبابه من حضن أسرته، وكافحت من أجل التحصيل العلمي على الرغم من ظروفها الصعبة، وتَوجت جهودَها بحصد شهادة الدكتوراه.

طالع أيضا  حفل الاحتفاء بالمفرج عنه عمر محب (فيديو)

يعانق الأخ عمر محب حريته، ليُطوى ملف من قائمة ملفات حقوقية لأعضاء جماعة العدل والإحسان، ومنها ملف الـمرسبين من نساء ورجال تعليم الجماعة في ملف التوظيف، وملف إعفاء أطر الجماعة من مهامهم الإدارية في مختلف قطاعات الوظيفة العمومية، وملف البيوت الـمشمعة، وحاليا ملف طرد ثلاثة من فصيلها الطلابي من كلية ابن زهر بأكادير؛ ملفات ستظل شاهدة على طيش النظام وبطشه ونزوعه لنهج التضييق على معارضيه ضربا لشعارات دولة الحق والقانون واستقلالية القضاء. “ويمكرون ويمكر الله. والله خير الـماكرين”. صدق الله العظيم والحمد لله رب العالـمين.