“إنني أفتخر بانتمائي لجماعة العدل والإحسان، ولن يضيرني أن يكون الحكم الصادر في حقي ظلما وعدوانا ضريبة لهذا الانتماء”، كلمة للمناضل عمر محب من داخل محبسه الأول سنة 2007 بعين قادوس، قبل الترحيلات التعسفية التي تعرض لها إلى سجن صفرو وسجن بوركايز ورأس الماء.

ارتبط يوم 15 من أكتوبر سنة 2006، ببداية مسلسل تراجيدي، استوحى خلفيته من بداية العشرية الأخيرة من القرن الماضي، لعبت العقلية الأمنية بطولته، بإخراج النظام المخزني، وجرت أحداثه بين ردهات المحاكم المظلمة، وزنازين السجون السوداء، فما أسعفت الأصوات ولا الأضواء التي اختارها المخرج في إقناع الرأي العام المتابع بنظافة تلك القاعات، ولا أفلحت تلك الزنازين في ترويض ذوي المروءات من أبناء الشعب أمثال الأستاذ عمر محب.

لم يكن اسمه وحيدا من بين أسماء ضحايا المكر والخداع المخزني، الذين كيدت لهم التهم في دهاليز المخابرات بسيناريوهات تختلف في الزمان والمكان، وتتفق في رداءة الإخراج، وبنتائج تزيد ترسيخا لصورة الفساد المصورة أصلا على النظام المخزني.

تعرض ابن مدينة فاس للاعتقال الظالم في وقت كان يخوض فيه معركة الحياة، حيث تزوج 1999 واستقر بالمدينة الجديدة بفاس، وعمل بائعا للكتب في مختلف أماكن المدينة وخارجها، مقاوما لواقع البطالة الذي رمت إليه السياسات الرسمية الفاشلة أفواجا من شباب هذا الوطن، لكن الأيادي “غير النظيفة” أراحته من مشقة بيع الكتب، ليتفرغ لقراءتها في الزنازين.

لم يكتب لمشروعه الصغير أن يكتمل، بعدما تم اعتقاله من قبل الشرطة القضائية بشكل مفاجئ، ذات يوم من أيام سنة 2006، داخل معرض كان يُنظمه، بناء على مذكرة بحث “مستغربة” صدرت كما ادعت السلطة في حقه منذ سنة 1993 في موضوع مقتل الطالب آيت الجيد.

عمر محب الذي كان منظما للمعارض، وتزوج وأنجب أطفالا، وألِف ارتياد الإدارات والمؤسسات الرسمية صباح مساء، لاستخلاص الأوراق وإتمام إجراءاته الإدارية، تحول بأعجوبة إلى “فار من العدالة”، وهي الخطوة الأولى التي تثير الاستغراب في الملف وما بعدها أشد غرابة.

طالع أيضا  القضية ليست قضية عمر محب وحده

شكل الاعتقال أبرز محطة بصمت حياة الشاب عمر منذ ولادته سنة 1965 ببني سادن نواحي مدينة صفر، قبل أن يتحول إلى مدينة فاس ليتابع دراساته الجامعية بجامعة محمد بن عبد الله، ويحصل على شهادة الإجازة تخصص الفيزياء بكلية العلوم ظهر المهراز سنة 1995.

اختار عمر محب لنفسه أيام كان طالبا، منذ دخوله إلى الجامعة سنة 1990، أن يكون من أبناء الحركة الإسلامية ضمن صفوف طلبة العدل والإحسان، مناضلا ضمن هياكل المنظمة الطلابية النقابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

وبعد تخرجه، كان عمر بن إدريس محب معيلا لأسرته، وكان معيلا وحيدا لوالدته فاطمة بنت ميلود، وساءت أحوالها كثيرا بعد اعتقاله الظالم، فتوفيت سنة 2013، وفارقت الحياة وهو داخل السجن، ولم يستطع حتى الحصول على رخصة استثنائية لحضور جنازتها ودفنها، خلافا لموقف السلطة في مناسبات مماثلة، التي تجيز مغادرة السجن وإلقاء النظرة الأخيرة على الأم قبل دفنها وحضور جنازتها، وتلقي التعازي. فحرم رؤيتها أثناء المرض، ومنع من إلقاء نظرة وداعها الأخيرة.

 يتأمل البطل المناضل الشهم الأستاذ عمر محب هذا اليوم، الذي ينال فيه حريته ويلقى أحبابه، ويتأمل معها عشر سنوات قضاها في السجون بليلها ونهارها، ويستحضر حجم الظلم الذي تعرض له، حتى أصبح أيقونة للصمود، ورمزا للصبر في عيون الكثيرين.

 تنقل زوجته لموقع الجماعة في أحد الحوارات معها مقولة قالها لها يوم اعتقاله في ولاية الأمن “أنا لم أقتل، وفي يوم الحادث كنت حاضرا في الملتقى الطلابي بالدار البيضاء”، هي حقيقة وليست كلاما عابرا، بأدلة الشهود والوقائع، رغم أنها لم تشفع له، ولم تشفع المرافعات الدامغة للمحامين في كشف زيف الملف من بدايته إلى نهايته أمام شاهد وحيد متناقض، بنى عليه القضاء المسيس حكمه الظالم.

طالع أيضا  ذة. حمداوي لمحب: دخلت السجن مرفوع الرأس وخرجت منه قويا.. فتعسا للظالمين

اعتقل وحكم عليه ب 10 سنوات ابتدائيا قبل أن يتم خفضها إلى سنتين في الاستئنافية ويفرج عنه بعد ذلك سنة 2008، إلى حين تثبيت الحكم الابتدائي بعد جلسة النقض، ليتم اعتقاله مرة أخرى يوم 03 أكتوبر سنة 2012، لإتمام العقوبة الحبسية.

تكشف الأستاذة خديجة سيف الدين زوج الأستاذ عمر محب بين الفينة والأخرى في تصريحاتها عن حالته الصحية، حيث إنه يعاني من عدة أمراض ألمت به داخل السجن نتيجة الإهمال الطبي وانعدام الشروط الصحية المتعارف عليها داخل المؤسسات السجنية، مما جعله يصاب بمرض الصرع والربو والحساسية، وصداع في الرأس وتمزق في العضلات وإصابة بليغة في كثفه الأيمن نتيجة البرد القارس الذي يعرفه السجن بسبب انعدام التدفئة والأغطية اللازمة.

كما كشفت في وقت سابق أن رهان المخزن على الاعتقال لإضعاف القناعات السياسية والفكرية للأخ عمر محب، هو رهان فشل منذ الوهلة الأولى للاعتقال، وأكدت في غير ما مرة أن هذه المحنة/المنحة لم تزده إلا تشبثا بجماعة العدل والإحسان، كما أن الجماعة لم تزدد إلا قوة بمثل هذه الملفات.