الإصرار على تعطيل صلاة الجمعة في بلاد سكانها مسلمون شيء يبعث على الدهشة والاستغراب. وإلاّ ما معنى فتح الأسواق والمقاهي والمطاعم، وفتح الخمّارات؟! أم أن تجارب علمية أثبتت أن الفيروس “اللعين” يُصاب بالسعار ظهر كل جمعة؟ ويحز في نفوس المغاربة كثيرا أن الكنائس والبِيَع ومعابد الهندوس مفتوحة في وجه الراغبين في بقاع شتى من العالم بينما مساجدهم الطاهرة يوم الجمعة، وما أدراك ما يوم الجمعة، مقفلة.

لقد أظهر المغاربة منذ بداية الداء البلاء في شهر مارس فهما عميقا للظروف والتدابير الخاصة التي نتجت عنه، ووعياً عالياً بالمسؤولية تُجاه حاضر ومستقبل الوطن، والتزم غالبيتهم وما زالوا بالإجراءات الوقائية لوقف انتشاره، فهل يُفهم من القرار الوزاري الثلاثي أنهم أقل التزاما بهذه الإجراءات في المساجد من باقي الأماكن؟ إن كان هذا، فهي دعوى يُكذبها الواقع، ويُفندها شعورُ المغاربة إزاء المسجد الذي يُجِلُّونه أكثر من أي مكان، ويُعظّمونه أيّما تعظيم.

هل قرار تعطيل الجمعة “إلى وقت لاحق” خُطة للإلهاء؟ الإلهاء عن أزمات البلاد التي استفحلت في “كورونا” وقضايا مصيرية أخرى. هل هي مكيدة أولية لنزع قداسة الجمعة من القلوب على المدى البعيد، أو على الأقل إضعاف أثرها؟ هل هو تكتيك يهدف إلى إخراس الأصوات التي تطالب بجعل المسجد منارة الحياة اليومية للمواطنين، مثلما كان في عهود عزة المسلمين وقبل نكبة الاستعمار، بجرّها إلى حيز المطالبة فقط بفتحه يوم الجمعة وفي الصلوات الخمس؟ هل القرار “بالون اختبار” لجسّ نبض الإيمان في الصدور بهدف تهييء “قاعدة بيانات” دقيقة في أفق اتخاذ قرارات “جريئة” تخص تنظيم “الشأن الديني” مستقبلا، أو للإجابة عن أسئلة آنية واردة من قوى خارجية، مُستغلة هذه الهدية من السماء المسماة “كورونا”، قوى مهمومة ب”الظاهرة الإسلامية” (قل الصحوة المباركة) ومنعرجاتها ومساراتها وصعودها وهبوطها، تبحث وفقَ نمط تفكيرها الذي لا ينظر سوى في صفحة المعطيات الموضوعية الملموسة عن أرقام تُساعد على قراءة المستقبل السياسي للبلد والقوى المجتمعية المؤثرة فيه؟

طالع أيضا  إخلاص النية لله عز وجل.. من أجل رباط مفتوح في ظل حجر صحي إلى أجل

قد يكون هذا وقد يكون ذاك، وقد يكون ما لا نعلمه. لكن المؤكد هو أن القرار محسوب، ولا يمكن اعتبارُه بريئا في أي حال من الأحوال.

غياب البراءة خلف القرار نستشفه أيضا في تقديري من اللغة الفضفاضة التي صيغ بها البلاغ الوزاري الذي تحدث عن فتح باقي المساجد في الصلوات الخمس “تدريجيا”، وبالنسبة لصلاة الجمعة “في وقت لاحق”، دون التقيد بأي مخطط زمني مضبوط، أو شيء واقعي ملموس له صلة بتطور الوضع الوبائي في المغرب. والعبارتان اللتان لا تمتان بصلة إلى قواعد التدبير الوزاري المسؤول تفتحان الباب على مصراعيه أمام كافة التفسيرات؛ فلو فُتح مسجدٌ كلّ سنة في مدينة كبرى على سبيل المثال، وانطلقت الجمعة بعد سنتين من الآن لكان البلاغ الوزاري صادقا!!!