1-     الجمعة الجامعة لمشروع النبوة

تُعتبر الجمعة شعيرة أساسية في دين الإسلام، وتسمّت سورة باسمها، وهي سورة الجمعة التي ورد فيها قول الله عز وجل: يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون.

يجتمع المسلمون مرة كل أسبوع داخل فضاء يسمى الجامع، وهو بمثابة فرصة للتواصل الأسبوعي بين أطراف القرية أو المدينة بعد أن توزعوا في المساجد الصغيرة طيلة الأسبوع، وتقام فيه صلاة خاصة متميزة عن باقي صلوات الأسبوع سواء في شكلها أو في اقترانها بخطبة تسبقها.

الصلاة ومكانها ومقتضياتها أراد لها الله عز وجل أن تشتق من مادة جمع واجتمع، لتكون جامعة للقلوب والأفهام والأبدان؛ المكان جامع للأبدان والصلاة جامعة للأروح والخطبة جامعة للأفهام.

يوم الجمعة هو مؤتمر أسبوعي تنظم فيه حياة الجماعة والأمة من مشاكل الأفراد اليومية وقضاياهم الأسرية ومعاملاتهم التجارية ومقتضيات التكافل الاجتماعي إلى قضايا استراتيجية مرتبطة بالدبلوماسية الخارجية والفتوحات وصد العدوان الخارجي.

ومن إكراهات الحياة اليومية ترفع شعيرة الجمعة همم المؤمنين والمؤمنات إلى طلب المعالي رضوان الله وجنة الله والابتعاد عن نيران المعصية المفضية لعذاب الله؛ إنها معمل متكامل لصناعة الشخصية الإسلامية المتوازنة الرحيمة بالمستضعفين العزيزة أمام رموز الطغيان والاستكبار.

لم يفارق السلطان يومها القرآن، كان أمر الأمة جامعا والقلوب منجمعة والأبدان متراصة متراحمة في صفوف الجهاد بكل أبوابه كما ترص في صفوف الصلاة، لم يكن يضير الأمير أن يسمع من بين صفوف الصلاة من يقول له اتق الله.

2-     الجمعة بلا منبر

وشاءت القدرة الإلهية، بما كسبت أيدي الناس، أن يعلو منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراء يهددون كل من أمرهم بتقوى الله بفصل رأسه عن جسده، وانتقلت مهمة الإمام الخطيب إلى تلاوة واجبات الناس من السمع الطاعة غير المشروطة للحاكم، وويل لمن سولت له نفسه أن يأمر إمام الصلاة بالكف عن اللغو فوق المنبر المقدس، بله أن يرفع فيه صوته مخاطبا الحاكم بتقوى الله في الأرض والعباد. وبذلك انحدرت وظيفة الخطبة إلى فقه الجزئيات المنحبس في خصوصيات الأفراد دون همّ الجماعة وتطلعات الأمة.

طالع أيضا  كورونا "فرصة تاريخية" لتغيير واقع الأمة 

لقد سرقت من الجمعة وظيفتها وعطلت مهمتها بسرقة منبرها، وأصبح المسلمون يجتمعون فيها لكي لا يقولوا شيئا، مشهد مؤلم أن يجلس المترف إلى جانب المعدوم في صف الصلاة وبعدها ينقطع كل منهما إلى بحر دنياه وبينهما برزخ لا يبغيان.

يحضر المصلون البؤساء وفي صدورهم جبال من هموم المعاش وقلة ذات اليد يطير عقلهم خارج أسوار الجامع المفرق، أثناء خطبة تحدثهم عن منجزات الأمير في الماضي والحاضر، ليسيح في مشاهد البؤس التي تنتظرهم بعد أن ينهي الإمام التشهد الأخير لتتفرق بهم سبل الحياة.

لم يعد الجامع إلا مكانا للسجود والركوع فقط لا شأن له بالمحروم الذي ينام تحت أسواره، والجائع المتسول أمام أبوابه التي تغلق دقائق بعد التسليم، ولا شأن له بقضية القدس وضياع فلسطين وموالاة اليهود الغاصبين، بل لا يجب له أن يحذر من وسائل التدمير القيمي للأفراد والمجتمعات الداخلة في لعبة الحكم والتحكم في العقول والإرادات.

3-     في البحث عن المفتاح المفقود

استرخاص لقيمة الجمعة وتضييع لدورها بل تحطيم لمفعولها الفردي والجماعي الدنيوي والأخروي، تحول معه الجامع إلى مقر من مقرات تغلقها السلطة متى شاءت وتفتحها إن أرادت. ذلك ما أكده تدبير كثير من أنظمة حكام المسلمين لجائحة وباء كوفيد المستجد، فأغلب المساجد مغلقة ومنع تام للجمعة في بعض البلدان في الوقت الذي رفع فيه الحظر عن كل الأنشطة بمختلف مستوياتها، وفتحت مرافق أقل أمنا وأكثر عرضة للوباء من الجوامع والمساجد.  

نعم الكل يقر بخطورة الداء، ووقاية أرواح الناس وأبدانهم منه مقصد من مقاصد الدين، وهذا ما يمكن تحقيقه لو خصص المدبرون للشؤون العامة في بلاد المسلمين جزء من همهم واهتمامهم لتدبير إقامة الشعيرة العظمى الجامعة بإجراءات لن يجدوا عناء كثيرا مع المصلين وعمار بيوت الله لينزلوها منزل التطبيق.

طالع أيضا  ملاحظات على مشروع قانون 22.20 المتعلق باستعمال منصات التواصل الاجتماعي

مشهد حزين أن يتدحرج حال المسلمين مع الجمعة الجامعة من غصة سرقة المنبر عن وظيفته إلى مرارة البحث عن مفتاحه المفقود.