جعل الله تعالى المسجد بيتا له على الأرض، ليدخله المسلمون آمنين، يكتسبون فيه الإيمان بذكر الله وإقامة الصلاة والاعتكاف في رمضان. في المسجد يرقى المرء بدينه من إسلام لإيمان لإحسان.

قبل الهجرة:

عاش المسلمون في الخوف من مكر المشركين الذين حرموا المستضعفين من كل أنواع الأمن؛ في المسكن والمأوى والغذاء. ونكّلوا بصحابة رسول الله كلما جهروا بالتكبير أو التهليل.

بعد الهجرة:

أول فعل أقدم عليه رسول الله بناء المسجد، لعلمه صلى الله عليه وسلم بأهميته وأدواره في حياة المسلمين في الدنيا… فالمسجد بيت الله تعالى الذي تحفّه الملائكة بأجنحتها وحيث تتنزّل فيها السّكينة من ربّ العالمين، وتهفو إليه أفئدة الناس وتتعلق القلوب به. ويصبح المسلم رجلا معلق قلبه بالمسجد لينال جزاء العشرة المبشرين بالجنة.

قال تعالى:”إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ” [التوبة: 18]، وقال عز من قائل: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ” [النور: 36-38].

المسجد الذي أسس أركانه رسول الله على التقوى، فضاء تهرول له الأجساد كلما نودي أن (حيّ على الصلاة، حي على الفلاح) يسارع إليه عُماره ملبين النداء بشوقٍ شديد، لينال القلب ارتياحه الذي لا يتهيأ بمتاع الدنيا وإن عظم، فسبيله في ذلك سبيل من كان يأمر بلالاً رضي الله عنه: “أرحنا بها يا بلال” صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وإذا قضيت الصلاة ظلّ القلب معلّقًا بالمسجد وإن خرج منه الجسد حتى يعود إليه مرة أخرى.

في زمن كورونا:

أغلقت أبواب المساجد، وحُرم الناس من نعمتين عظيمتين: نعمة زمن الهرولة لبيت الله، ونعمة فضاء السكينة. كما أغلقت جميع المرافق التي يجتمع فيها الناس، مخافة تفشي المرض المعدي. قرار اضطراري التزم به الناس جميعا، واعتبرناه يومئذ قصدا من مقاصد الشريعة الإسلامية: “صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان“. بإغلاق المساجد حرم المسلمون من الطواف والحج والجمعة منذ مارس 2020.

اليوم، فتحت المقاهي والمطاعم والملاهي والفنادق… لكن استثنيت المساجد!! بقيت أبواب المساجد مغلقة وأماكن الصلاة بالمطاعم مقفلة بينما صالات الأكل والشرب مكتضة. وهذا يطرح أكثر من سؤال:
– هل المسجد مكان منه ينتشر الوباء، عكس المواقع الأخرى التي فتحت بقرار إداري؟
-هل نسي أصحاب قرار استمرار إغلاق المساجد، بأن المسجد هو المكان الطاهر الذي يجتمع فيه الناس وتقضى فيه حوائجهم بالدعاء والتضرع لله عز وجل؟
-هل نحتاج تذكير أصحاب قرار الاستثناء غير المبرر أن بفضل “اللطيف” أخرج المغاربة المستعمر الغاشم من أرض الوطن؟
-هل تدركون حقيقة عاشها أسلافنا وعشناها بدورنا في زمن الجفاف أن الدعاء من المصليات والمساجد تمطر السماء بإذن ربها؟

نداء ينتظر استجابة:

يا أهل القرار السياسي، يا من يشرفون على الحقل الديني، يا علماء الأمة… أليس فيكم رجل رشيد؟
بالأمس أخرجتم الدعاة من المساجد وأنزلتم الوعاظ من منبر رسول الله، وأمليتم خطب الجمعة على الخطباء لا يجرؤون على تجاوز الكلمات المملاة، مخافة توظيف الدين في السياسة. وفصلتم قضايا الشأن العام عن تربية الشعب. وجعلتم المساجد أسوارًا عالية وأبوابًا موصدة لا تفتح إلا بمفاتيح نظارة الأوقاف.

اليوم، أصدرتم قرار غلق المساجد وأصررتم على استمرار إقفالها، رغم النداءات العديدة من أطياف مختلفة للشعب المغربي بضرورة فتح المساجد، وأن ما تقدمونه من تعليل استمرار الإغلاق أصبح غير مبرر، وغير مقنع.

افتحوا بيوت الله أمام خلق الله. فالمسجد مكان أمن وأمان. اشتاق الناس لعمارته، والسجود بين يدي خالقهم ورفع أكف الضراعة للمولى عز وجل. في المسجد يجتمع الناس وتهذب الأخلاق، وتربى الأمم.
قال الله تعالى في سورة البقرة: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” الآية 118.

الظالم لا يدخل المسجد إلا خائفا، والمستضعف لا يدخل المسجد إلا آمنا. قال الله في سورة قريش:”لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ.إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ“.