تستعد الكتابة الوطنية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بمعية طلاب الجامعات المغربية، لإطلاق خطوات نضالية تضامنا مع الطلبة المطرودين بأكادير، بعد إعلانها تبني الملف وجعله “قضية طلابية وطنية” من أجل إرجاع الطلبة إلى مقاعد دراستهم.

وطفا إلى قائمة الأحداث في الساحة الوطنية في الآونة الأخيرة، موضوع “طرد ثلاثة طلبة” بكلية العلوم بجامعة ابن زهر بأكادير، وأصبح حديث وسائل الإعلام بعد منعهم من اجتياز امتحاناتهم الربيعية في الأسبوع الأول من شهر شتنبر، ودخولهم في اعتصام مفتوح وصل اليوم 02 أكتوبر 2020 يومه السابع عشر، فما حيثيات هذا الموضوع؟ وما هي القصة الكاملة؟

قرار الطرد

أصدرت رئاسة جامعة ابن زهر بأكادير، يوم الخميس 20 فبراير 2020، قرارا بفصل ثلاثة طلبة نهائياً من الدراسة، في خطوة متهورة، هؤلاء الطلبة يجمعهم الانتماء النقابي إلى منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وقال مكتب فرع الاتحاد بجامعة ابن زهر عقب إعلان القرار، إن هذه الخطوة ليست لها أسباب منطقية إلا أنها “تجسيد واضح للسياسة البوليسية التي تدار بها الجامِعة عندما تواجه مكونات الحركة الطلابية، وتضيّق على حقها المُكتسب تاريخياً في النشاط الطلابي النقابي والثقافي والعلمي”.

وحسب القرار، الذي نشرته إدارة كلية العلوم بأكادير، فإن الأمر يتعلق بـ عمر الطالب، ومحمد الحميد، الطالبين في مسلك علوم الحياة، وعبد الناصر طوني، الطالب في مسلك علوم الرياضيات، مع العلم أن الطالبين عمر الطالب وعبد الناصر طوني يَمثُلان رفقة طالبٍ آخر مجَاز في علوم الجيولوجيا، عبد اللطيف الغازي، أمام المحكمة الابتدائية في أكادير ظلماً، بسبب نشاطهم الطلابي داخل كلية العلوم.

البداية الحقيقية للملف

جرت العادة في الجامعات المغربية أن المكتب النقابي الطلابي (مكتب التعاضدية) ينظم أنشطته التواصلية المتعددة على مر مراحل من السنة الجامعية كلها، وتبدأ بمحطة استقبال الطلبة الجدد، وتسهيل عملية الولوج لهم في يومهم الأول بالجامعة.

ففي مطلع موسم 2019/2020، انتُخِب الطلبة الثلاثة ضمن ممثلي طلبة الكلية في المكتب النقابي (مكتب التعاضدية). وبرز نشاطهم في تأطيرهم للفعاليات الطلابية بداية من استقبال الطلبة الجدد، بخدمتهم وإرشادهم، بشكل يشهَد لهم به طلبة كلية العلوم كلها، كما يشهدون لهم بالسلوك الحسن، وبالجد والإتقان والمسؤولية، وشكل هذا العمل الدؤوب بخدمة الطلبة والتواصل معهم، حرجا لإدارة العلوم التي يدبرها عميد جديد لم يمض على تعيينه حينها شهران فقط.

طالع أيضا  تربويون وفاعلون يطالبون بإعادة الطلبة المطرودين بأكادير إلى دراستهم

ومن بين المبادرات، التي سطعت في سماء كلية العلوم، إقدام هؤلاء الطلبة -مباشرة بعد انتهاء مرحلة استقبال الطلبة الجدد- على تأطير حصص الدعم الدراسية لفائدة الطلبة والطالبات، الذين استحسنوا هذه البادرة وأقبلوا بأعداد كبيرة، فكانت الحصيلة؛ تأطير أزيد من 7000 طالب أسبوعيا في القاعات والمدرجات، من بين طلبة مختلف المستويات، وهي خدمة يتفرغ لتنظيمها “النادي العلمي” التابع لمكتب التعاضدية، في إجابة على أن عمل هذا المكتب لا يقتصر على الاحتجاجات فقط كما يدعي البعض، وإنما جوهر عمله مساعدة الطلبة على التحصيل العلمي الجيد.

ومن مهام المكتب النقابي (مكتب التعاضدية) تنظيم الاحتجاجات على أي خلل في تدبير أمور الطلبة أو خلل في تدبير شؤونهم البيداغوجية أو غيرها، وهو ما لم تقبله إدارة كلية العلوم بشكل قطعي، فبدأت بتدبير المكائد للمناضلين.

إدارة كلية العلوم تدشن مرحلة الحصار

غيرت إدارة كلية العلوم نهجها في التعامل منذ تعيين العميد الجديد، الذي أعلن صراحة أن المكتب النقابي غير مرحب به، وأعلن أن “مقر مكتب التعاضدية” الذي دأب المناضلون على تعليق اللافتات فيه منذ سنوات طويلة؛ لم يعد ملكا لهم، وسلمه إلى توجه طلابي آخر، في محاولة لإذكاء الصراع بين مكونات الساحة الطلابية، وهو ما رفضه المكتب النقابي، متمسكا بمكتسباته التاريخية مع سلكه مسلك الحوار والحكمة في تدبير الملف.

وفي تطور للأحداث أعلنت الإدارة أن المكتب النقابي لم يعد بإمكانه تنظيم حصص الدعم للطلبة، وبعدها تم إغلاق المدرجات والساحات في وجه “النادي العلمي” ما حذا بالقائمين عليه إلى تنظيم هاته الحصص في الساحات، وبقي الطلبة يستفيدون منها في العراء.

إصرار الطلبة على مواصلة أنشطتهم رغم منع الإدارة، أدى بالكاتب العام والعميد إلى تشديد الحصار، عبر التهديد وحرق وثائق المكتب النقابي وإعلاناته في الساحة، فضلا عن استدعاء قوات الأمن بين الفينة والأخرى لترابط على جنبات الكلية في لغة تهديدية تصعيدية ضد أنشطة الطلبة، التي تبعد كل البعد عن العنف أو عرقلة السير العام للكلية.

طالع أيضا  "طرد المناضلين والتهم المعلبة".. عضو في المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي يرد على عميد كلية العلوم

إصدار قرار الطرد بعد رفع الملف إلى القضاء

واصل عميد الكلية بمعية كاتبه العام محاصرة أنشطة الطلبة، وتشديد الخناق عليها طيلة الدورة الأولى من الموسم الجامعي 2019/2020، وفي 21 يناير 2020، أعلن وكيل الملك في المحكمة الابتدائية بأكادير متابعة كل من عمر الطالب، وعبد الناصر طوني، وعبد اللطيف الغازي، في حالة سراح بناء على شكاية من كلية العلوم في شخص كاتبها العام، بسبب النشاط النقابي الطلابي له‍ؤلاء، وكانت أولى جلسات المحاكمة 07 فبراير 2020، قبل تأجيلها إلى وقت لاحق.

وفي وقت كان الرأي العام الطلابي ينتظر نتيجة هذه المحاكمة، يُفاجأ في تاريخ 20 فبراير 2020، بقرار رئاسة الجامعة فصل الطالبين عمر وعبد الناصر، ومعهما الطالب محمد الحميد. بشكل غير متوقع، وبدون علم الطلبة المعنيين.

خروقات مصاحبة لقرار الطرد

 يؤكد الطلبة المطرودون عدم استدعائهم إلى المجلس التأديبي الذي عقدته إدارة الكلية لغرض طردهم بتاريخ 18 أكتوبر 2019، وأن القرار اتخذ في مجلس لم تعط لهم فيه الفرصة للدفاع عن أنفسهم وتوضيح روايتهم. ولم يتوصلوا بخبر عن عقد مجلس تأديبي في حقهم “إلا بعد مرور حوالي شهر على انعقاده”. وهذا يتعارض مع القوانين المنظمة للمجالس التأديبية في الجامعات.

كما يؤكد الطلبة أن كل المشاكل مصدرها عميد الكلية وكاتبها العام الذين فشلا في تدبير الكلية، والتغطية على هاته المشاكل بافتعال أزمات مع الطلبة، ومما ينفي “الإجماع” المزعوم على قرار الطرد كما يشير به عميد الكلية في وقت لاحق في تصريح لوسائل الإعلام، غياب دليل على توقيع أعضاء المجلس كلهم على القرار كما وضح ذلك محامي الطلبة، الأستاذ رضوان العربي في إحدى تدويناته في فيسبوك.

وفي اليوم الموالي لإصدار القرار في 21 من فبراير، عبر العديد من طلبة الكلية عن استيائهم من قرار الطرد، ومن قرار منع الأنشطة العلمية التي يستفيدون منها خاصة حصص الدعم الدراسي، وانتفضوا في وجه إدارة مؤسستهم بعمادتها وكتابتها العامة، بعدما أعلنوا مقاطعة شاملة للدراسة، ونظموا مظاهرات احتجاجية حاشدة طالبت بالتراجع عن القرار، وإنصافهم، مؤكدين أن الطرد هو عِقاب للنشاط الطلابي كله، وهو استهداف في النهاية لنقابة “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”.

طالع أيضا  طلبة أكادير المطرودون يفندون ادعاءات عميد الكلية في بيان

الاعتصام المفتوح.. البعد الإعلامي والتضامن الحقوقي

شكل منع الطلبة من اجتياز امتحاناتهم شهر شتنبر 2020 نقطة تحول في الملف، بعدما قرر الطلبة الثلاثة خوض اعتصام مفتوح بدءا من يوم 15 شتنبر، إلى حين تسوية الملف وإلغاء قرار الطرد.

وعقب الدخول في الاعتصام أخذ الملف حجمه الحقيقي في المنابر الإعلامية الوطنية، وأصبح موضوع الرأي العام، وأنجزت تقارير إخبارية، وربورتاجات مصورة من عين المكان، لنقل تفاصيل الملف إلى الرأي العام ووضعه في صورة ما يجري، فكان في متابعة تفاصيل الملف أكثر من 20 منبرا إعلاميا وطنيا.

وما أعطى بعدا آخر أكثر قوة ومصداقية للملف؛ هو دخول الجمعيات والمنظمات والشخصيات الحقوقية على الخط، حيث كتب عدد من الرموز الحقوقية والشخصيات البارزة ورؤساء الجمعيات والهيئات تدوينات مساندة للطلبة، ومطالبة رئاسة جامعة ابن زهر بالتراجع عن القرار،

وقد أصدرت العديد من الجمعيات الحقوقية بيانات التضامن والمساندة والاستنكار، مثل الهيئة المغربية لحقوق الإنسان، والرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، والجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب… ولقيت رواجا كبيرا في المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعية، كما دخلت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان في حوار مع إدارة الكلية لمحاولة التوصل إلى حل بعد تسجيل تضامنها مع الطلبة.

وقد تم تنظيم زيارات حقوقية إلى معتصم الطلبة، وهناك سجل العديد منهم تصريحات تضامن واستعداد كامل لدعم أي خطوة يخطوها المطرودون من أجل استرداد حقهم المشروع.

أساتذة جامعيون على الخط لحماية الرسالة الأكاديمية والتربوية للجامعة

لم يكن الأساتذة الجامعيون ليتركوا هذا الملف بدون بصمة تحفظ للجامعة مكانتها العلمية والتربوية، وسجل عدد منهم كلمته في تدوينات تم تداولها في صفحات التواصل الاجتماعي، كلمات تحمل لغة التضامن مع الطلبة والاستنكار لفعل الطرد، ومنهم من استحضر أحداثا مشابهة لطرد الطلبة في مراحل تاريخية معينة من مسار الجامعة، والتذكير بالأسباب التي لا تخرج عن الانتقام من ممارسة العمل النقابي.

ومن الأساتذة الجامعيين من اعتبر القرار “جريمة” لا تنسجم مع الرسالة التربوية لهاته المؤسسة، بل هي ممارسات تجعل من الجامعة مكانا لتصفية الحسابات السياسية مع المناضلين.