(1)

المسجد عنوان الرجعة والتوبة بعد التوبة.

نتنكب الطريق عندما نستمر في إغلاق معظم المساجد، وتعطيل صلاة الجمعة.

نتنكب الطريق عندما نظن أن المنطلق غير المسجد.

من جانب المحراب، ومن على حصيرة المسجد يبدأ كل سير قاصد لتصحيح الأوضاع؛ وتقويم كل اعوجاج، والانطلاق السليم نحو ساحات الفعل وميادين العمل، وإلا كان وجودنا استعراضا، وما يغني الاستعراض والقلوب غافلة والمنطلق مخروم.

يقول الكاتب الألمعي مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في سفره التحفة “وحي القلم”: “فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع.

هو فكر واحد لكل الرؤوس. ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل وكما يشق النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم، يقام المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله… فما المسجد بناء ولا مكانا كغيره من البناء والمكان، بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويطرب، فإن في الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها، وهذه كلها يمحوها المسجد، إذ يجمع الناس مرارا في كل يوم على سلامة الصدر، وبراءة القلب وروحانية النفس، ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة مصبغة على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء، كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخول المسجد” 1.

لله درك من رجل أوتي الحكمة وفصل الخطاب!

يتهارش السياسيون ويتعالى لغط الساحة وهذيان العالم وهوسه، وتكثر التكهنات والتخرصات: علاقات بين العباد غافلة عن رب العباد. من هنا يبدأ الانحراف المؤدي للانجراف.

روح المسجد وفيضه مما يطرد الله به الزور، ويكشف به الكيد المستور.

في البدء كان المسجد ومن المسجد وإليه.

(2)

موعدنا المسجد إذا أردنا التوبة والرجعة والإقبال على الله عز وجل وتصحيح الأوضاع.

طالع أيضا  الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (5)

 وإلا فكيف يصل فكيف من هو منقطع مقطوع محروم؟

ماذا يفيد أن نتسكع في دروب الغفلة عن الله، ونعرض عن بركات الرباط: انتظار الصلاة بعد الصلاة، ونظن أننا قادرين على الفعل، قادرين على تصحيح الأوضاع وتغييرها نحو الأفضل، هيهات هيهات فمن لم تحلق به روحه إذ هو على حصيرة المسجد فلن يطير به بساط السندباد.

من فناء الكعبة والمسجد الحرام انطلقت المسيرة.

المنطلق المسجد وبركة أهل المسجد وجماعة المسجد.

من بوابة المسجد ينبغي أن ندلف، ومن صحبة أهله وجماعته ينبغي أن نقتبس.

أي وضع يراد له أن يستقيم ويصحح لا بد له أن يدلف من محراب الاستقامة أول ما يدلف.

وإذا ألممت بذنب أو خطأ فاستدرك بالركوع.

(3)

يقول الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره: “إذا خرج الزور دخل النور” 2.

وأشدّ ما يفضح الثَّوب القذر أن تنزل فيه رُقعة نظيفة لها جِدَّة و رونق!

فرب نفس تلفها ظلمات وهي في عالم كثير الضياء؛ كما يقول شاعر الإسلام محمد إقبال رجمه الله.

مصاب الأمة عظيم، ولوثة الغفلة، والتسطيح والعنف الأعمى الأهوج؛ والظلم والتعدي وانتهاك الحرمات وتعطيل الشعائر، مزالق مؤذنة بالخراب والزوال.

المنطلق المسجد، الهدف الله، الغاية الله.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن للمساجد أوتادا، الملائكة جلساؤهم إن غابوا افتقدوهم وإن مرضوا عادوهم وإن كانوا في حاجة أعانوهم، جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد أو كلمة حكمة أو رحمة منتظرة”، رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما.

على الأوتاد نبني ثم ننطلق، وإلا فخيمتنا ومجتمعاتنا ستعصف بها الرياح من كل جانب: رياح الغفلة، رياح الإسلام الفكري والعنف الأعمى الأهوج، رياح التسطيح والسطحية المقيتة، رياح غياب القيم والأخلاق.

طالع أيضا  أسرار الصَّلاة (6): سرّ الصلاة الإقبال على الله

كيف يطيب لنا أن نغير ما بنا ويحسن الله من حالنا، ونحن لم ننل من بركات الرباط، وتهجد الثلث الأخير من الليل، وقراءة القرآن، وحلق الذكر؟

ما اسمنا وما عنوانا في ميادين الإقبال والتوبة بعد التوبة؟

فالإنجازات الكبيرة تنطلق من إنجاز روحي وسويعات تفكر قرب محراب.

المقدمات التربوية أساس كل نهضة وتغيير!!!!!

والعَزَمات تقود النهضات.


[1] وحي القلم؛ ج1؛ ص 358/357.
[2] فتوح الغيب؛ ص60.