باسم الله الرحمان الرحيم

قال مولانا عز وجل في سورة القصص:

طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (6).

قال الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى في الظلال:

 “ولا يعرف على وجه التحديد من هو الفرعون الذي تجري حوادث القصة في عهده، فالتحديد التاريخي ليس هدفا من أهداف القصة القرآنية; ولا يزيد في دلالتها شيئا. ويكفي أن نعلم أن هذا كان بعد زمان يوسف – عليه السلام – الذي استقدم أباه وإخوته. وأبوه يعقوب هو “إسرائيل” وهؤلاء كانوا ذريته. وقد تكاثروا في مصر وأصبحوا شعبا كبيرا..”

القرآن كلام الله الذي يساير كل العصور والأزمنة، وينفع الناس في كل البقاع والأمكنة. وقصصه من واقع الحال لا من نسج الخيال، فيها عبرة وعظة متنقلة عبر الأجيال. لذلك لا يهمنا اسم هذا الفرعون، ولا يهمّنا حتى اسم البلد الذي جرت فيه أحداث القصة. ما يهمُّنا هو فعل الفرعون الذي تنفطر من بشاعته القلوب، وشخصيته العدوانية المصرة التي لا تتوب ولا تؤوب، وتصرفاته اللئيمة التي خلفت كثيرا من الندوب. ما يهمّنا هو الشخصية لا الشخص… الشخصية التي تتجدّد في كل حاكم ظالم وتتجسّد في كلّ طاغية غاشم.

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ أَيْ: تَكَبَّرَ وَتَجَبَّرَ وَطَغَى. وعلا من العلو أي: استعلى، والمستعلَى عليه هم رعيته، بل إنه علا حتى على وزرائه والخاصة من ملئه وحاشيته. والأدهى والأمرّ هو أن فرعون سولّت له نفسه الخسيسة فتجرأ على الله عَزَّ وَجَلَّ وادَّعى الألوهية، وهذا منتهى الاستعلاء، ومنتهى الطغيان والتكبُّر.

لكن لاحظ معي فحينما تسمع علا ترفع عينيك إلى السماء وتنظر إلى الأعلى. فيعيدك القرآن لتنظر إلى الأسفل، وكأنما يقول لك اخفض بصرك فهذا المعتوه لم يعل في السماء إنما علا في الأرض، وكلما علا في الأرض لا بدّ أن يعود يوما إلى الأرض.

قال الشيخ سيدي أحمد ابن عجيبة رحمه الله تعالى في البحر المديد:

“وفي التعبير بالأرض تبكيت عليه، أي: علا في محل التذلل والانخفاض.”

ثم يقول قدس الله سره:

“العلو في الأرض يُورث الذل والهوان. والتواضع والاستضعاف يورث العز والسلطان، والعيش في العافية والأمان. مَن تواضع رَفَعَهُ الله، ومَن تَكَبَّر قصمه الله. وهذه عادة الله في خلقه، بقدر ما يَذِلُّ في جانب الله يعزه الله، وبقدر ما يفتقر يغنيه الله، وبقدر ما يفقد يجد الله. قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: اللهم إنَّ القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزُّوا، وحكمت عليهم بالفقْدِ حتى وجدوا.”

وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا أي فرقا وأصنافا وطوائف.

قال الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى في خواطره:

“والمفروض في المُمَلَّك أنْ يُسوِّي بين رعيته، فلا تأخذ طبقة أو جماعة حظوة عن الأخرى، أما فرعون فقد جعل الناس طوائف، ثم يسلِّط بعضها على بعض، ويُسخِّر بعضها لبعض. ولا شكَّ أن جَعْل الأمة الواحدة عدة طوائف له مَلْحظ عند الفاعل، فمن مصلحته أن يزرع الخلاف بين هذه الطوائف ويشغل بعضها ببعض، فلا تستقر بينهم الأمور، ولا يتفرغون للتفكير فيما يقلقه ويهزّ عرشه من تحته، فيظل هو مطلوباً من الجميع.”

قسّم فرعون الشعب ومزّق وحدته وشتت شمله. وهذا مكر خطير، وسياسة تنمّ عن خبث كبير. فاشترى بعض الذمم، وأبلغها في الدولة أعلى القمم. ولذلك تجد من حاشية فرعون رجلا وصوليا اسمه قارون هو ابن عمّ سيدنا موسى عليه السلام. هو من الطائفة المستضعفة لكنه امتطى ظهورهم، وتنكر لهم لمّا فتحت له أذرع الطاغية، واحتضنه صدر الدولة العلية. فهل ينظر بعد هذا إلى أولئك “الرعاع” الذين انتمى لهم عن طريق الخطأ –في زعمه- إنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ سورة القصص.

وهؤلاء الوصوليون الذين يخرجون من الجانب المستضعف ويظفرون بمناصب كبيرة في دولة الطغيان، يكونون أكثر تمنعا، وأشرس مواجهة، وأشدّ استماتة على التغيير من غيرهم. فمن ذاق النعيم في ظل الظلم ما يفعل بعدل يسلبه كلّ تلك الامتيازات التي حظي بها، وينزع عنه كل تلك الصولة التي يتمتع بها استعلاء على غيره. لذلك تجد هذه الشخصية النرجسية بكل مميزاتها النتنة حاضرة بقوة في مواجهة التغيير وأصحاب هذا التغيير. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ(25) ..سورة غافر

طالع أيضا  المسئول يواصل دروسه اللغوية ويشرح الفعل الأمر والمضارع في برنامج "لغة القرآن"

وتقسيم الشعب إلى فئات هو تخطيط خبيث تلجأ إليه النخب الحاكمة في كل العصور والدهور لإضعاف قوة الجماهير، وخلقِ مستنقعات كبيرة بين طبقات المجتمع يصعب مدّ الجسور فيها. فيدفنون البعض في الثرى، ويرفعون آخرين إلى الثريا. وهل الثرى كالثريا؟

وهكذا فلن ترى إلا عداوة وكراهية وبغضا من الجانب السفلي. ولن تجد إلا استقذارا واستكبارا واستضعافا من الجانب العلوي. هكذا يصنع الفرعون لنفسه درعا بشريا من الشيع المحظوظة، والفئات المقرّبَة، يحميه من الفئات المستضعفة ليس حبّا للفرعون ولكن دفاعا عن مصالحها، واستبقاء على مكتسباتها، وطمعا في مزيد امتياز واعتزاز.

يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره:

«يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ» “يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَكَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ خِيَارَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ. هَذَا وَقَدْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ هَذَا الْمَلِكُ الْجَبَّارُ الْعَنِيدُ يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي أَخَسِّ الْأَعْمَالِ، ويكُدُّهُم لَيْلًا وَنَهَارًا فِي أَشْغَالِهِ وَأَشْغَالِ رَعِيَّتِهِ، وَيَقْتُلُ مَعَ هَذَا أَبْنَاءَهُمْ، وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ، إِهَانَةً لَهُمْ وَاحْتِقَارًا، وَخَوْفًا مِنْ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُمُ الْغُلَامُ الَّذِي كَانَ قَدْ تَخَوَّفَ هُوَ وَأَهْلُ مَمْلَكَتِهِ مِنْ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُمْ غلام، يَكُونُ سَبَبُ هَلَاكِهِ وَذَهَابُ دَوْلَتِهِ عَلَى يَدَيْهِ.”

وإنما استضعف بني إسرائيل وأذلهم واحتقرهم خوفا على ملكه أن يزول. وهاجس الخوف على السلطان والرغبة في البقاء على العرش يحوّل الإنسان إلى وحش شرس لا يرقب في شعبه ولا حاشيته ولا حتى أسرته إلاّ ولا ذمّة.

مسكين هو فرعون… كم عاش متوجسا! كم عانى!

حتى لذة النوم حرمها. فكلمّا غلبه النوم واضطجع هاجمته تلك النار القادمة من بيت المقدس، وتسلطت على القِبْط فأهلكتهم، وتجاوزت بني إسرائيل وتركتهم.

كلما استلقى على أريكته، جاء طيف ذلك الغلام الذي سيسلب منه ملكه وسلطانه وعرشه…

حبّ الرئاسة وما أدراك ما حبّ الرئاسة؟

روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: “إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ”.

معذور هو الفرعون، كيف يتخلى عن كل هذا السلطان؟ كيف ينزل من فوق عرش اعتلاه لعشرات السنين؟ حتى مجرد التفكير في الأمر يذهب العقل.

لذلك غلبت المقاربة الأمنية على فرعون وحاشيته المتملقة. وجاءت نتائج المشاورات بهذه الصيغة “اقتلوا أولادهم الذكور، وأبقوا على الإناث”. وهل تكون نصائح المستشارين والكهنة ورجال الدولة إلا هكذا…؟ وهل يخرج من تلك الحشرات الطفيلية المتملقة إلا مثل هذا السمّ الزعاف…؟ فسقوط الفرعون يعني حتما سقوطهم، وضياع مصالحهم، وذهاب امتيازاتهم. فليمت الشعب كله… ولتبق الدولة… وليعش الفرعون.

يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين

أي ويل ذاقه المستضعفون! أي حياة هذه التي كانوا يعيشون! كيف صبروا كل تلك السنين! أعطى الفرعون أوامره الصارمة لوزيره الأول، ومكّنه من جميع الصلاحيات. فقام هذا الأخير بإعادة تشكيل جهاز المخابرات، ووظف جيشا من الجواسيس من الذكور والإناث، وكلّفهم بمهمة مراقبة نساء الفئة المستضعفة. كان تنظيما محكما. وكانت هناك لوائح مضبوطة بأسماء النساء الحوامل، وكانت هناك متابعة يومية ميدانية لا مكان فيها لهامش الخطأ. وتصور معي كيف عاشوا…

تحمل المرأة من بني إسرائيل. وعوض أن تفرح بحملها وتسعد بما منّ الله به عليها، وتستعدّ لاستقبال مولودها. تعيش تسعة أشهر وهي خائفة وجلة هي وزوجها يتضرعون إلى الله عز وجل ويسألونه أن يكون المولود أنثى لا ذكرا. وليس الذكر كالأنثى.

وعلى العكس من الجاهليين من قريش الذين كانوا إذا بشر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّا وهو كظيم، كان الرجل من بني إسرائيل في هذه الحقبة إذا بشّر أحدهم بالذكر ظل وجهه مسودّا وهو كظيم، يتوارى عن أنظار جواسيس فرعون لئلا ينكّلوا به. أما الغلام المولود فقد سلّمه إليهم دون مقاومة ليذبحوه.

كان ميلاد الذكر جريمة في حقّ أبويه. فيُقتل المولود وينكّل بالوالدين.

ولعلهم امتنعوا عن إتيان نسائهم في وقت من الأوقات، ولعلّهم استعملوا ما بلغهم في زمانهم من وسائل منع الحمل أو إسقاطه، خوفا من أن يعيشوا ذلك المشهد الشنيع، ويتذوقوا ذاك الألم الفظيع.

طالع أيضا  في ظلال القرآن والنبوة.. البناء الأول

دام الحال لسنوات طوال، ابتدأ قبل ولادة موسى عليه السلام واستمر إلى ما بعد بعثته. قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ . الأعراف آية 129.

أيّ ذلّ هذا الذي عاشوه؟! ولأي سبب تحملوا ما لا يجب تحمله!؟

لست أدري… ولم أجد جوابا على تساؤلاتي أفضل مما ذكره رجل مؤمن لقي من فرعون زمانه ما لقي حينما فضّل أن يقوم مع إخوانه ضدّ الفرعون عوض أن يستجيب لدعوات الاحتضان الماكر، فدفع حياته ثمنا واسترخص روحه في سبيل الله.

قال الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى في الظلال:

“حين كان بنو إسرائيل يؤدون ضريبة الذل لفرعون وهو يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم لم تتدخل يد القدرة لإدارة المعركة. فهم لم يكونوا يؤدون هذه الضريبة إلا ذلا واستكانة وخوفا. فأما حين استعلن الإيمان في قلوب الذين آمنوا بموسى واستعدوا لاحتمال التعذيب، وهم مرفوعو الرؤوس يجهرون بكلمة الإيمان في وجه فرعون دون تلجلج، ودون تحرج، ودون اتقاء التعذيب. فأما عند ذلك فقد تدخلت يد القدرة لإدارة المعركة، وإعلان النصر الذي ثم قبل ذلك في الأرواح والقلوب.”

والقرآن دقيق في عباراته، دقيق في أوصافه، دقيق في ألفاظه. تأمل معي «يُذَبّح» لم يقل يذْبحُ ولكن قال يُذبّحُ والتي تفيد تكرار الذبح والمبالغة في القتل. مبالغة في الطريقة، مبالغة في الأعداد، مبالغة في الحيز الزمني الذي استمرت فيه هذه المقاربة الأمنية، وهذه الاحتياطات الوقائية، وهذه الجريمة الإنسانية.

يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم

يقول ابن عادل رحمه الله تعالى في اللباب:

“أن الأبناء لما قتلوا حَالَ الطفولة لم يصيروا رجالاً، لم يجز إطلاق اسم الرجال عليهم. أما البنات لما لم يُقْتَلْنَ، بل وصلن إلى حَدّ النساء جاز الإطلاق اسم النساء عليهن اعتباراً بالمآل.”

وقد تتساءل وأنت تقرأ لماذا قرن الله سبحانه تذبيح الأبناء -و هو شرّ محض- باستحياء النساء والإبقاء على حياتهن وهو في ظاهره خير…؟ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ سورة البقرة.

والحقيقة أن زبانية فرعون كانوا لا يرون في الأطفال الذكور إلا ذاك الغلام الخطير الذي سيكون هلاك ملك فرعون على يديه. أما الإناث فكانوا يرون فيهن نساء المتعة والزنا، والخدمة والخنا. وقوم بلا رجال، تخضع نساؤهم لأبشع أنواع الاستغلال.

ولله درّ الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى فقد قال عند تفسيره لهذه الآيات من سورة القصص:

“يستحيي النساء، أي يستبقي حياة الإناث من الأطفال، فأطلق عليهم اسم النساء باعتبار المآل إيماء إلى أنه يستحييهن ليصرن نساء فتصلحن لما تصلح له النساء وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن أزواج. وإذ كان احتقارهن بصدّ قومه عن التزوج بهن فلم يبق لهن حظا من رجال القوم إلا قضاء الشهوة، وباعتبار هذا المقصد انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح الأبناء إذ كل ذلك اعتداء على الحق”.

اكتفى القرآن بذكر هاتين المفسدتين العظيمتين، تذبيح الأطفال الذكور، والإبقاء على حياة الإناث المبرمجة مسبقا مجالات استغلالهن، والمعينة أماكن خدمتهن. والدلالة بالأقوى تغني عن ذكر الأضعف، والإشارة إلى الأشدّ تغني عن ذكر الأخف. وإلاّ فالفرعون وحاشيته لا شك هدموا البيوت والمنازل، وخربوا الكنائس وأسقطوها بالمعاول، وزجوا في السجون من حاول صدّهم أو فكّر أن يحاول… لا شك تحكم الفرعون وملؤه في الأسواق، وكانت لهم دعاية وأبواق، وآذان للتنصت والاستراق… ولا حاجة للإطالة فالإشارة تغني عن العبارة. «إنه كان من المفسدين».

ويشاء الله الرحيم الكريم أن يمنّ على المستضعفين، ويريد سبحانه أن يرفع الظلم عن المظلومين ويجعلهم الوارثين.

ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (6). سورة القصص

قال الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى في الظلال:

“ولكن الله يريد غير ما يريد فرعون ويقدر غير ما يقدر الطاغية. والطغاة البغاة تخدعهم قوتهم وسطوتهم وحيلتهم، فينسون إرادة الله وتقديره ويحسبون أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون، ويختارون لأعدائهم ما يشاؤون. ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون.

طالع أيضا  على ضفاف آيات

والله يعلن هنا إرادته هو، ويكشف عن تقديره هو ويتحدى فرعون وهامان وجنودهما، بأن احتياطهم وحذرهم لن يجديهم فتيلا”.

ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض

حينما يشاء الله عز وجلّ من ذا يستطيع منع مشيئته؟ من يقدر أن يمنع إرادة الله؟ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (40) سورة النحل.

أراد الله وقضي الأمر، ولن تقف قوة أمام إرادته مهما عظمت في أعين الخلق. ولن يحتاج إلى مساعدة من أحد. يكفي أنه أراد… وسترى عجبا.

«ونريد أن نمن» جاءت بصيغة المضارع، لم يقل و”أردنا أن نمنّ” فتنقطع تلك الإرادة وتنتهي مع القصة التي دارت أحداثها في العصور الغابرة. لا؛ تلك الإرادة ما زالت موجودة بكل ما حملته معها آنذاك من نصر وتمكين وتمليك ووراثة للمستضعفين. فمتى تكرر الوضع، واكتملت الشروط فإن تلك الإرادة مستعدّة للتدخل.

وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً أي دعاة إلى الخير، أو ولاة وملوكاً كقوله تعالى: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً.

وَنَجْعَلَهُمْ الوَارِثِينَ يرثون فرعون وقومه، مُلكهم وكل ما كان لهم.

وما أجمل ما سالت به خواطر الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى:

وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ فلن يدوم لفرعون هذا الظلم؛ لأن الله تعالى كتب ألاّ يفلح ظَلُوم، وألاَّ يموت ظلوم، حتى ينتقم للمظلوم منه، ويُريه فيه عاقبة ظلمه، حتى إن المظلوم ربما رحم الظالم، وحَسْبك من حادث بامرئ ترى حاسديه بالأمس، راحمين له اليوم.

وهنا تُطالعنا غضبة الحق تبارك وتعالى للمؤمنين وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض [القصص: 5] والمنة: عطاء مُعوّض، وبدون مجهود من معطي المنة، كأنها هِبَة من الحق سبحانه، وغضبة لأوليائه وأهل طاعته؛ لأن الحق تبارك وتعالى كما قال الإمام علي: إن الله لا يُسلِم الحق، ولكن يتركه ليبلو غَيْرة الناس عليه، فإذا لم يغاروا عليه غَارَ هو عليه. والحق تبارك وتعالى حينما يغَارُ على الذين استُضعِفوا لا يرفع عنهم الظلم فحسب، وإنما أيضاً وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً [القصص: 5] أئمة في الدين وفي القيم، وأئمة في سياسة الأمور والملك وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين [القصص: 5] أي: يرثون مَنْ ظلمهم، ويكونون سادةً عليهم وأئمةً لهم، فانظر على كم مرحلة تأتي غيرة الله لأهل الحق. ولولا أن فرعون الذي قوي على المستضعفين وأذلَّهم تأبَّى على الله ورفض الانقياد، لشملته رحمة الله، ولعاشَ هو ورعيته سواء؟”

ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (6).

يقول الإمام القشيري رحمه الله تعالى في “لطائف الإشارات”:

وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ: نزيل عنهم الخوف، ونرزقهم البسطة والاقتدار، ونمدّ لهم في الأجل. ونرى فرعون وهامان وقومهما ما كانوا يحذرون من زوال ملكهم على أيديهم وأنّ الحقّ يعطى- وإن كان عند الخلق أنّه يبطى.”

ومن أعظم النعم التي يمنّ بها المولى الكريم سبحانه على عباده المؤمنين هو نزع خوف المخلوق من قلوبهم حتى لا يبقى خوف إلا منه سبحانه. فتتحرر نفوسهم وتُعتق رقابهم من ذلك الرقّ الاستبدادي الجاثم على صدور العباد. وأراد الله عز وجلّ، فيسّر الأمور وسهّل، وأعطى وأجزل. وهيّأ لتلك الإرادة أسبابا لم يشعر بها أولياؤه، ولم يحسّ بها أعداؤه. والعيب كل العيب أن يتنازل المستضعفون عن منحة الله بسبب ضعف في التخطيط، وعجز في التنفيذ، ووهن في العزيمة. والذنب كلّ الذنب أن يفوتوا الفرصة بسبب ضعف في الإيمان، وزعزعة في اليقين، ومداهنة لأعداء الله، وتكاسل في الأخذ بكلمات الله، وشتات في الشمل وتفرق في الجماعة، وتنازع يفضي إلى الهزيمة.
وما أروع ما أشار إليه الشيخ سيدي أحمد بن عجيبة رحمه الله تعالى في البحر المديد:

“لكل زمان فراعين وجبابرة يقطعون الناس عن الانقطاع إلى الله والدخول إلى حضرة الله، (ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أنهم يُحسنون صنعا)، يقول الحق جلّ جلاله للذين تخلصوا منهم: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم بها حيث أنجيتكم من فراعين زمنكم، يسومونكم سوء العذاب وهو البقاء في غم الحجاب، والانقطاع عن الأحباب، يقتلون ما ربيتم من اليقين في قلوبكم والمعرفة في أسراركم، ويستحيون شهواتكم وحظوظكم، (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم). قال تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ… وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.