كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍۢ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا. صدق الله العظيم.

هذا أبلغ تصوير للوهم يُجَلِّيهِ القرآن في صورة حقيقية لا تخطؤها عين. والبلاغة هنا على وجهين، بلاغة اللغة والإيجاز، ثم بلاغة التصوير. إذ من السهل الممتنع أن تعبر عن الوهم بصورة حقيقية تراها في الواقع، لكن هذه الحقيقة في حد ذاتها وَهْمٌ محض حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا، إنها إذن حقيقة الوهم المجلية لوهم الحقيقة. فعندما نتأمل المشهد ونفكك عناصره سنهتدي لا محالة إلى تفكيك ظاهرة الوهم الذي يستحيل حقيقة عينية مشاهدة وهو في الحقيقة لا شيء. فمن عناصر الوهم الظروف المنتجة له؛ فالسراب يَنتُج عن كتل الهواء المتفاوتة الحرارة، ونسبة الكثافة، وسرعة الضوء، وظاهرة الانعكاس، والنتيجة أن تنعكس صورة السماء على الأرض بفضل كل تلك العوامل فتبدو كالمياه في الأفق. وهو نفس الأمر الذي يقوم به بعض الناس حين يبذلون جهدا معتبرا لتجميع بعض المعلومات والمعطيات لينقدح السراب في أذهانهم ويحسبونه حقيقة، كما يتوهم الناظر للقلم في كوب الماء انه منكسر، وهو لا يدرك أن اختلاف الكثافة عكست لنا صورة وهمية لا وجود لها في الواقع، حتى وإن كنا نوهم أنفسنا أننا نراها بالعين المجردة.

كثيرة هي صور السراب في حياتنا، وكثيرة هي الأوهام المحيطة بنا، وكثيرا ما يخدعنا العقل والبداهة وهما يحولان الوهم والسراب إلى حقيقة في أذهاننا. لا شيء يقضي على الوهم إلا التحرك اتجاهه وتقصي حقيقته حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُ أما أن تمكث في مكانك وأنت تنظر إلى السراب، فإنك ستظل تحسبه ماء وحقيقة حتى تموت عطشا. لكن ثمة عامل في الآية حاسم في حصول الوهم من عدمه، إنه العامل الذاتي والحالة الذاتية الضمآن. فحالة الوهم والسراب لا تستهوي ولا تؤثر إلا فيمن لهم قابلية مسبقة لذلك، فالضمآن من فرط حاجته إلى الماء يزداد وهمه في السراب فيقع ضحية لظاهرة تداخلت فيها عناصر مختلفة. إن ظاهرة الوهم تزداد خطورة عندما تكون عاملا حاسما في علاقتنا بالآخرين، فتصبح هي مصدر الأحكام والمواقف تجاههم، هنا بالضبط تتحول النفس إلى ذلك الفاسق الذي نبهنا الله سبحانه منه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ. اتهام النفس بالفسق وعدم الارتكان إليها والإذعان لوساوسها الأمارة بالسوء، هو بداية طريق التبين والتحقق والتمييز بين الوهم والحقيقة، فلطالما كذبت علينا أنفسنا وصدقناها لأننا لا نتوقف عن تزكية أنفسنا غافلين عن قوله تعالى: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى.

كثير من الناس يَعرِضون عليك حججهم كما يعرضون عليك صور السراب، ويطلبون منك أن تصدق وتسلم بأنها ماء حقيقي. وهذه الصورة تزداد وضوحا مع وسائل التواصل الاجتماعي، ذلك أن كثيرا من روادها يتتبع صفحات الناس وتفاعلات الناس وما ينشر من مواضيع، فيبني عليها أحكاما ومواقف وهمية، فالإعجابات والتعليقات الكثيرة والمتتالية لا تعني أنك على صلة حقيقية بأصحابها فجلهم أشخاص افتراضيون لا غير، لا تعرفهم ولا يعرفونك، وقِسْ على ذلك في العلاقات كلها . كما أنك عندما تعالج موضوعا ما أو قضية ما فهذا لا يعني أنك عشتها أو نعيشها أو تقصد بها شخصا بعينه. لذلك رجاء أطفئوا شموع الوهم في أذهانكم ودعوا شمس الحقيقة تسطع في قلوبكم وأحسنوا الظن بعباد الله، وتذكروا أن السراب حقيقة نراها بالعين المجردة لكنها محض وهم!

طالع أيضا  بناجح: نظام الحكم في المغرب معاكس للتنمية

والدواء كل الدواء هو ”الله“ أي ذكر الله الطارد للوساوس المُجَلِّي للقلوب، الباعث على حسن الظن فوجد الله عنده.
لذا، إن كنت مع الله من البداية فلن تضيع المسير وأنت تبحث عن الماء في السراب، فالله سيسقيك من عين اليقين من أول خطوة تخطوها بقلبك لتتقرب إليه. ولله ذر الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت حين قال: ”الضامن الوحيد للحقيقة هو الله“، وهو ما عبر عنه العارف بالله سيدي عبد القادر الجيلاني حين قال: ”إذا دخل النور خرج الزور“.