في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حوارات “في ظل الحجر.. كتاب قرأته”، يطلعنا الباحث الدكتور سمير زردة على جانب من مضامين كتاب “النقل والعقل والإرادة وصناعة التاريخ في مدرسة المنهاج النبوي” للباحث مبارك الموساوي ورهاناته وقضاياه.

فإلى نص الحوار:

ما هو أهم كتاب قرأته في الحجر الصحي؟

بسم الله الرحمان الرحيم، في البداية نسأل الله عز وجل أن يرفع عنا وعن البشرية جمعاء هذا البلاء. فيما يخص سؤالك، يسر الله الاطلاع على مجموعة من الكتب في هذه المرحلة، وفي الحقيقة كلها مهمة بالنسبة لي. لكن إن كان ولابد من تحديد كتاب بعينه، فقد استوقفني الجهد المتميز الذي قام به الأستاذ مبارك الموسوي في كتابه “النقل والعقل والإرادة وصناعة التاريخ في مدرسة المنهاج النبوي” وهو كتاب من الحجم المتوسط، في ثمانية فصول متفرقة على 174 صفحة.

وهو الكتاب الأهم بالنسبة لي، لأنني أولا أتقاسم مع الكاتب نفس الاهتمام في الاشتغال على الفكر المنهاجي الذي صاغه الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله. ثانيا لأن الكتاب يعد تتويجا لجهود امتدت لأكثر من عشرين سنة قضاها الباحث في رحلته الاستكشافية صبرا لأغوار علم المنهاج النبوي عند الإمام. ثالثا لأن الحاجة اليوم تبدو ماسة لمزيد بيان وتوضيح وكشف لمضامين هذا المشروع العظيم الذي جاء به الإمام رحمه الله في كلياته وتفاصيله ومراحله.

وقد وُفِّق الكاتب إلى حد كبير في عرض أهم القضايا التي جاء بها المنهاج، على ما اعترى بعض فقراته من قلق في العبارة وغموض في المعنى.

ما الإشكالية الجوهرية التي يعالجها الكتاب؟

الكتاب كما أسلفت محاولة من صاحبه لتقديم عرض جديد وقراءة جديدة اتسمت بالعمق والشمولية لمضامين المشروع الذي جاء به الإمام رحمه الله. فهو لا يناقش إشكالية بعينها بل يعيد طرح ومناقشة مجموع الإشكالات التي عالجها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كتبه. عرض جديد يمكن القارئ من استيعاب بنية النسق المعرفي للمشروع من خلال ثلاث مستويات:

طالع أيضا  ذ. اليزيدي يُطلعنا على كتاب "آخر ملك. أفول سلالة ملكية"

– الأول: بناء العلم والعمل.

– الثاني: بناء الفكر وبناء الحركة.

– الثالث: بناء الموقف وبناء التنفيذ.

ما هي أهم الأفكار التي استفدتها منه وتود مشاركتها مع القراء؟

تعدد الأفكار والإشكالات التي ناقشها الكتاب، نابع أساسا من تعددها في مشروع الإمام. ويمكن إجمال أهم الأفكار والخلاصات فيما يأتي:

– أكد الباحث أن فكر الإمام يشكل ثورة علمية جديدة، أساسها تحول جوهري تربوي سلوكي في عمق الإنسان المتصدي بكليته لهذا الإنجاز (اكتشاف المنهاج النبوي). وهذا يحيلنا على دور “التجربة الشخصية” في صناعة واقع ذهني وفكري ونفسي، يؤسس لواقع سياسي واجتماعي ومجتمعي جديد. ثورة علمية جديدة سعت لتأسيس سياق إسلامي جديد، ينتج تغييرا جوهريا بالواقع الإنساني، وتحولا تاريخيا شاملا، يعيد ترتيب العلاقات الإنسانية على قواعد الاستخلاف والتسخير والعمران الأخوي، ويحقق نهضة الأمة وفق مفهوم تجديدي أبدعه الإمام هو مفهوم الطاعة الجماعية.

– يستند علم المنهاج النبوي على قواعد منهاجية جامعة. تجمع العلم ممثلا في الخصال العشر، بالعمل كما جسدته شعب الإيمان، في سير رتبته الخصال العشر في مجموعتين:

 الأولى: الصحبة والجماعة، الذكر، الصدق، البذل، تحدث تحولا عميقا في باطن الفرد ومن تم الجماعة.

الثانية: السمت الحسن، التؤدة، الاقتصاد، الجهاد. وهي تجليات تنعكس على ظاهر الفرد وحياة الجماعة.

ليبقى العلم والعمل العمود الفقري لهذا النظام من خلال تفاعل قاعدتين منهاجيتين: العلم إمام العمل والعمل ينمي العلم ويزكيه.

– بين الباحث أن عرض الخصال العشر تم من خلال مرتبتين. الأولى: مرتبة إيمانية، اهتمت بالسلوك صعودا عبر شعب الإيمان، كما سطر في كتاب المنهاج النبوي. لغاية بناء الجماعة الحاملة للمشروع.

والثانية: مرتبة إحسانية، والتي ذكرت تفصيلا في كتاب “الاحسان”. من مقاصدها الكبرى ضمان التجدد المستمر للقيادة الربانية الإحسانية، والكشف عن تفاصيل معانيها في نظام الجماعة والمجتمع والعلاقات الإنسانية.

طالع أيضا  دردشة وكتاب: "تجارب التحول إلى الديمقراطية: حوارات مع القادة السياسيين"

– أبرز الباحث أن التفكير المنهاجي يفتح لنا مجالا واسعا لبناء نظريات منهاجية في التربية، والسياسة، والاقتصاد، وفي سائر المجالات. كما يمكننا من تأطير الحركة والفعل بناء على مفاهيم مركزية: الرحمة القلبية، الحكمة العقلية، اقتحام العقبة (قوة الحركة).

هذه بعض الأفكار التي وجدتها مهمة وارتأيت مشاركتها مع القارئ، مع يقيني أن بين ثنايا هذا الكتاب العديد من الأفكار والقضايا المنهاجية التي تناولها الكاتب بعمق ورصانة.