لو قال قائل كان فيما مضى بلد يتضايق بعض نخبه من قطعة قماش تضعها امرأة باختيارها على رأسها، لقلنا حديث خرافة يصعب أن يثبت. فإن اعترض وقال إنه قد ثبت يقينا أنه كانت هناك أمم تنقم من بعض مواطنيها إن هم أسلموا لله وآمنوا به، وأخرى تأمر بطرد من لم يطبع مع الفاحشة وامتنع عن تزكيتها، وقد أشار كتاب الله العزيز في قوله عن الصنف الأول: “وما نقموا منهم إلا أن يومنوا بالله العزيز الحميد،” وعن الصنف الثاني بقوله: “أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون،” لو قال ذلك، لقلنا هذا صحيح، ولكن ذلك زمن مضى والناس كانوا آنئذ على قدر متواضع من النضج وثقافة التسامح مع المخالف. لكن أن يحدث شيء من جنس هذا في القرن الواحد والعشرين، وفي بلد يتغنى بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ويزهو بتاريخ ثورة أطاحت بالاستبداد والطغيان، فهذا من أعجب العجائب وأغرب الغرائب، وقد يكون صادما لكثيرين.
ما المشكلة إن اختارت امرأة أن تغطي رأسها لسبب يعنيها، وليس فيه أي ضرر لأي أحد ولا للمجتمع الذي تعيش فيه؟ أن تختلف معها، ولا تعجبك أفكارها ولا حتى منظرها، فذلك شأنك. ولكن ألا تطيق وجودها في مؤسسة يفترض أنها تمثل كل الشعب الفرنسي بكل حساسياته، وهذه الفتاة منه واختارها الطلبة لتنوب عنهم، فهذا موقف أقل ما يوصف به أنه لا يليق. ولا يستبعد أن تدفع مشاعر الكره لدى هؤلاء إلى التضايق من وجود أمثال هذه الفتاة حتى في المجتمع على اتساعه. أما آن لهذه الكراهية التي تروج باسم مفهوم متطرف للعلمانية أن تنتهي؟ إنها عنصرية مقيتة لا تمت لشعارات الحرية والأخوة والمساواة وحقوق الإنسان بصلة. عار ان نسمع ونقرأ عن بلد متقدم في هذا الزمن، بل وينقل إلينا بالصوت والصورة مواقف غاية في الاستهجان.

طالع أيضا  فعاليات مدنية وسياسية بمدينة البيضاء تستنكر بشدة مجزرة نيوزيلاندا وتندد بازدواجية المعايير