سعت الحركة الإسلامية في العقود الأخيرة إلى توسيع نظرها إلى قضايا الفن، وتجديد رؤيتها إليه بوصفه مجالا من مجالات التعبير الإنساني عن الجمال والقيم ومساحة للتدافع والدعوة، ولا يتعلق الأمر فقط بمحاولة تجذير الرؤية وتعميق النظر وتأصيل المقاربة وفتحها لِتَسَعَ الفنَّ بجميع أبعاده، بل ينصبّ أساسا على تأهيل الممارسة والتصالح مع مختلف الأشكال الفنية والقوالب الإبداعية، هكذا تدرجت الممارسة الغنائية مثلا في إدخال الآلات الموسيقية وطَرْق بعض الألوان الغنائية الجديدة والعناية بالمشاركة الفنية للمرأة وما يحيط حركتها في المجال من تمثلات يرجع بعضها إلى ترسبات العادات والتقاليد، كما يرتبط أحيانا باستمرار فاعلية بعض مقولات وفتاوى الفقه المنحبس الذي كان حريصا على سد الذرائع أكثر من حرصه على جلب المنافع.

وجد فنانو الحركة الإسلامية في مجال الغناء أنفسهم – وهم بصدد اقتحام عوالم الاحتراف وانتزاع الاعتراف – يتعاملون مع الموروث الغنائي بِغَثِّهِ وَسَمِينِه، وعُجَرِه وبُجَرِه، بمعايير وموازين انطلقت باجتهادات عامة معتبرة، حاولت توظيف بعض ذلك الموروث وتجديده، وتعفّفت عن الالتفات إلى رديئه وهابطه. ورغم تأخّرها في تلك المعالجة وتباين اجتهاداتها في المجال، فإن هناك نقط ضوء ساطعة، أعطت صورة جد مشرفة ونماذج غنائية مبهرة انتزعت مكانتها ضدا على كل آليات التكريس الثقافي التي تعتمدها الأنظمة وتحرسها رؤوس الأموال السفيهة، وترعاها غرف التوجيه في المراكز الغربية الكبرى. لكن تلك الاجتهادات اصطدمت بمسألتين: الأولى كونها شكّلت طفرات ابتعدت عن الحركة العامة للممارسة الفنية بمسافة معتبرة، أداءً وأفقا، وصار من المتعذّر أن تنضبط لسيرها العام الذي يكبّله واقع الاستبداد وصعوبة تغيير التمثّلات، والثانية ثقل تحمّل تبعات انتظار التحاق كتلة معتبرة من الممارسين بتلك الفاعلية، والكلفة الباهظة لذلك الانتظار جهدا وتضييعا لفرص الريادة الفردية.

وهكذا انتهت تلك الاجتهادات إلى مسارات فردية باهرة الريادة أحيانا، مستمرّة في خراجها على المستوى الرمزي والرسالي، أو تحَلّل بعضُها من الخيارات الجماعية جملة وتفصيلا، وترخّص آخرون في دخول بعض الدهاليز التي كان يُنظَرُ إليها بعين الشكّ والاتهام، وانجرف آخرون بعيدا عن الاتجاه العام، بينما بقي في الضفة الأخرى، مصرون يتقدمون ببطء، أو منتظرون لم يبادروا، أو مجتهدون لم يصيبوا، أو عاكفون لم يستطيعوا الانفكاك عن مدرسة الإنشاد شكلا ومضمونا.

طالع أيضا  سمات الأدب الإسلامي (2/3)

وعمّا بين الحرص على الجوهر والسمت والأثر، وبين الخوض السائب المؤدّي إلى الذوبان وانمحاء التّميّز والأثر، نتحدّث.

نعم، كانت البدايات خالصة الهوية، منتصرة بصرامة للتميّز التام والزّيال المفارق، ولم تمنعها تلك السّمة عن بلوغ مراتب متقدمة على درب الصنعة والاحتراف والخبرة. ولمّا تضاعف الزخم، إنتاجا وانتشارا، وتربّت أجيال على الذائقة الأصيلة الأولى التي كانت تنتصر أولا وأخيرا للرسالة والسّمت والبلاغ الواضح، وتنضبط لضوابط الحركة انضباط جوقة العزف في استعراض الجند، انفتحت سبل الإنتاج والتواصل واقتحم مجال الأغنية فنانون وظّفوا محبّتهم لدينهم وتشبّثهم بمقومات هويتهم في إنتاجاتهم، ولم يتهيّبوا من كسر محاذير الحركة الإسلامية التي كانت ترفعها في وجه فنانيها، بدعوى مراعاة التدرّج، وتلكُّئاً في تنزيل التصورات المُؤثّلة على أرض الواقع، حفاظا على التوجّه القاصد لمؤشّر البوصلة. وحينذاك اضطرت الفرق الغنائية الإسلامية لمضاعفة سرعة الحركة، وإجراء العديد من التحولات السريعة، و”انتفض” بعض الفنانين الإسلاميين فرادى كي يلتحقوا بالركب في منعطفه، أو ليثبتوا أنهم كانوا أحق بالفتح والريادة لولا إكراه السير الجماعي الضابط للإيقاع، واشتباك الفنّي بالتنظيمي بصيغة كان يطغى فيها أحيانا هاجس التّحوّط والكبح على إرادة الاقتحام وأجواء الثقة.

وقد أتى على فناني الحركة الإسلامية حينٌ من الدّهر لا يؤطّرهم إلا هاجس إثبات الذات بعد تبنّي الألوان الجديدة، والجهود المبذولة للحفاظ على الروح والجذوة أن تطفئَها عواصف المنصّات وأضواؤها، وتُخْرِسَ نداءَها النبيلَ ضوضاءُ السوق ومتاهاتُ السمسرة، بل تزلّ بها الأقدام في مصائد الأهواء وكمائن الأعداء، فإذا بالفنّان المنفتح في زعمه، المتواصل في ظنّه، المقتحم في نيّته وقصده، قد صار ألعوبة للسخرية من رسالته ونبل انطلاقته، وإذا به في دوّامة لا يعرف منها خروجا ولا عن قيودها فكاكا، هذا إن لم تجرفه سيول الدوابية إلى بِرَكِها الآسنة ومجاريها المنتنة، فيرتكس إلى الابتذال البيّن، والتلفيق الهابط، والسقوط المريع.

طالع أيضا  من أجل حداثة أدبية إسلامية 3/3

فكيف يرسم الفنانون الرساليون مسارا يقتحمون به كل حصن، في اقتدار فني، وكفاءة وجدارة، في نفس الآن الذي لا يخبو لهم صوت، ولا يضمُرُ لهم معنى، ولا يجبُن لهم بلاغ، ولا ترتكس لهم سيرة؟

كيف يتعامل الفنانون الرساليون مع ركام الفن ويميّزون سليمَه من سقيمه، ويبعثون الروح في صالحه وأصيله، ويمتلكون الإرادة الإيمانية لنبذ الموروث الهابط والانفلات من قبضة الرائج المدعوم صناعة وسياسة، مما يغري بانتشاره وبريق مساره، بنجومية سريعة، وأبواب ومراقي هي بنت السراب وقرينة الوهم، في ميزان الفن الحقيقي، كما في ميزان من يضع آخرته نصب عينيه ويهبها ثمرة فؤاده؟

كيف نسترجع دفّة السفينة إلى أيد أمينة، وذمم حصينة، ومواهب تمتلك الإصرار، وتَسِمُها التؤدة، ويَزِنُها العمق والتجذّر، كيلا تسقط عند أوّل رجّة، أو تدهسها حوافر تلك الأجواء والأهواء، فإذا بالاسم الإسلامي اللامع ينحدر إلى السفوح الكابية ويشرّع لانحداره وانهياره، أو يقلب ظهر المجنّ ويقصف أهله وجيرانه، بعد أن يتمّ تعميده في أقبية اللهو أو شراء الذمم.

بحاجة نحن إلى تجديد فني يبني على الأساس الأوّل الذي يجهر بهويّته ولا يخفي رسالته، ليس من قبيل التميّز الطهراني المتعفّف البعيد عن أورام الواقع وأسنّته، ولا من قبيل التشبّث الذي يحكمه الحنين إلى الشكل والصيغة، وإنما الحاجة إلى الروح الأولى والنيات العظمى، والارتباط الوثيق للحركة الفنية بلبّ انتمائها ومدار سعيها وديدن غايتها.

بحاجة نحن إلى التعاطي الجاد مع قضية الاحتراف وضروبه ومساراته، والنضال من أجل التخصص ودخول المجال من أبوابه المعتبرة، بقدر ما نحتاج إلى انتزاع الحق في الوصول إلى الناس ورفع الحصار عن الفن الجاد، وخرق أسوار التحنيط وحصون التقليد والاجترار، وكوابح العجز والضعف.

بحاجة نحن إلى استعادة اتجاه البوصلة، عبر استعادة ذلك الاستعلاء الإيماني الذي يهوّن العقبات، ويرفع الهمم ويشحذ الإرادات، ويفجّر قوى الإبداع والابتكار. ومدار الأمر في هذا الباب، اشتغال جاد على الذّات تعلّما وصقلا وتطويرا للكفاءات، موازاة مع الانغراس العميق في زمن العبادة، بضبط برنامج اليوم والليلة، والحفر الجاد في البواطن ذكرا وإقبالا وتهذيبا وتربيةً للشوق والخشية والأنين.

طالع أيضا  حوار في الأدب وقضاياه مع الروائي عبد القادر الدحمني

ذلك هو ميزان القلب وفرقان المنهاج الحق أن تزلّ الأقدام ويضيع الاتجاه ويندثر الأثر لا قدّر الله.

رزقنا الله وإياكم بوصلةَ صدقٍ لا تحيد، وإنابةً متّصلةً متجددة، وجذوةَ إيمانٍ لا تنطفئ، وإرادةَ إقبالٍ لا تلين، وشوقا لا يفتر، وحسنَ خاتمة يا رب العالمين، آمين.