في حلقة جديدة من سلسلة “في ظل الحجر.. كتاب قرأته”، يتجول بنا الباحث في الفلسفة والفكر الإسلامي الدكتور أحمد الفراك، كتاب “زبدة الحقائق” للفيلسوف والصوفي عين القضاة أبو المعالي الهمذاني رحمه الله، وهو كتاب يبحث عن عين الحقيقة في أصول الدين.

فإلى نص الحوار الغنيّ.

ما أهم كتاب قرأته منذ بداية الحجر الصحي إلى الآن؟ ولماذا تعتبره الأهم؟

بتوفيق من الله قرأتُ كُتبا ذوات العدد خلال فترة الحجر الصحي، يمكن أن أذكر منها كتاب “زبدة الحقائق” للفيلسوف والرياضي والقاضي والشاعر والصوفي عين القضاة أبو المعالي الهمذاني رحمه الله (ت525ه) وهو أحد أنجب تلاميذ الإمام الغزالي رحمه الله (ت505ه)، والكتاب بالغ الأهمية في نظري، وتظهر أهميته من عنوانه الدال المختصِر لمضمونه، وهو البحث عن عين الحقيقة في أصول الدين، وذكر ما انتهى إليه نظر العقول في العلم بذات الله وصفاته دليلا وبرهانا وشهودا وعيانا، والإيمان بحقيقة النبوة وباليوم الآخر والعلم بأحوال النفس وأطوارها ومواضيع أخرى موزعة على مائة فصل. وقد توجه به إلى الخواص الطالبين للحق في أصول الدين، مقربا “نظر العلماء في أصول الدين وموقف أقدام السالكين في طريق البراهين” 1.

ما الإشكالية الجوهرية التي يعالجها الكتاب؟

يعالج الكتاب مسألة الأصول الثلاثة الكبرى في الدين، وهي: العلم بذات الله وصفاته، والإيمان بالنبوة، والتصديق باليوم الآخر، ويستشكل قدرة العقل على إدراك هذه الأصول وحل الإشكالات النظرية المطروحة بصددها ويعالج في فصوله المائة حدود العقل وسعة البصيرة في معرفة الله تعالى وصفاته والنبوة والآخرة.

وقد كتبه لغرضين:

–         الغرض الأول: الاستجابة لطلب أصحابه في أن يكتب لهم كتابا جامعا في أصول الدين.

–         الغرض الثاني: التحذير من مخاطر السلوك إلى الله، والتي قد يقع فيها أهل العلم الحذاق، من قبيل حكمهم بأن العلم بذات الله بطريق التعلم هو منتهى العلم والسعادة.

ما هي أهم الأفكار التي استفدتها منه وتود مشاركتها مع القراء؟

طالع أيضا  ذ. اليزيدي يُطلعنا على كتاب "آخر ملك. أفول سلالة ملكية"

من أهم الأفكار في الكتاب والتي يمكن اعتبارها نصيحة إلى العلماء وطلاب العلم، يمكن الاقتصار على الآتي:

–         يميز عين القضاة بين طريق العقل وطريق الذوق، فالأول يبحث عن إثبات شيء لشخص (نبي) من غير أن يشعر هو ويتذوق حقيقة ذلك الشيء، والثاني يتذوق ذلك الشيء ويعيشه بقلبه، ومثلهما كمثل من له ذائقة شعرية ومن عدمها، فمن كانت له معرفة الشعر عن ذوق ومن افتقر إليها قد يصدق بشيء يسمع عنه أو يعرف عنه لكن تصديقه لا يرقى إلى تصديق صاحب الذوق 2.

–         العلم بذات الشيء وأوصافه ليس هو عين الوصول إليه، حيث قال: “من ظن أن العلم بذات المعشوق وصفاته عين الوصول إليه فقد سحب الضلال ذيله عليه، ومن صار إلى أن الوقوع في مخلب السبع الضاري وأن العلم بالوقوع واحد، فهو في مهواة بعيدة من الجهل” 3 بل اعتبر ذلك من السموم المهلكة لأهل العلم.

–         يُحرض عين القضاة في هذا الكتاب العلماء والنظار على الارتفاع من حضيض التقليد في النظر العقلي إلى ذرة البصيرة، أي الانتقال من طور الاستدلال العقلي إلى طور وراءه يعلوه ويُسد فيه باب الاستدلال، والذي منه وحده يستفاد العلم الحق.

–         انتقد القاضي الهمذاني الاستدلال على وجود القديم عن طريق النظر في الحركة رغم ما فيه من فوائد، واعتبره مجرد فضول مستغنى عنه بالاستدلال بـ”الوجود الذي هو أعم الأشياء، إذ لو لم يكن في الوجود قديم لما كان في الوجود موجود أصلا البتة” 4.

–         مصدر الوجود يدركه ذووا البصائر من غير مقدمة علمية، ومنزه سبحانه عن الكمال الذي يمكن أن يدركه نظر النظار. وهو في ذلك لا ينقص من وظيفة العقل الذي من شأنه إدراك أمور عظيمة غامضة، وإنما ينبه إلى قصوره عن إدراك ما ليس في طوره.

طالع أيضا  دردشة وكتاب: "تجارب التحول إلى الديمقراطية: حوارات مع القادة السياسيين"

–         والله تعالى هو السبب في وجود كل الموجودات، ولذلك فكل موجود هو واجب الوجود إما بذاته وإما بغيره، وكل معدوم هو محالُ الوجود إما بذاته وإما بغيره، وهنا يتصل الواجب بالمحال عبر وهم الممكن الذي يشبه في وصفه وصف النقطة المتوهمة التي تفصل الماضي بالمستقبل.

–         إذا تحقق إسناد الوجود إلى الله تعالى بوصفه القديم والواجب، فالإيجاد إما أن يكون صفة ضرورية له، فيكون السؤال محض هوس، وإما أنها غير ضرورية فتكون عارضة، خارجة عن الذات، محتاجة إلى علة في إيجادها، والواجب “يأبى بذاته أن يحتاج في شيء إلى شيء، وإلا لم يكن واجبا” 5. وجميع الموجودات وجدت من القدرة الأزلية ولم يكن قبل وجودها قبل ولا بعد، لأن “القبل والبعد عارضان من عوارض الزمان لا يوجد إلا بعد وجود الأجسام، فكما لا يجوز أن يكون قبل وجود الأجسام فوق ولا تحث لأنهما عارضان من عوارض المكان، فكذلك لا يجوز أن يكون قبل وجود الأجسام قبل ولا بعد، لأن ذلك موقوف الوجود على وجود الزمان” 6.

–         غاية العقل هي أن يثبت للواجب كل ما يراه ضروريا له من طريق الاستدلال عليه بالموجودات وصفاتها، ولا يتعدى ذلك. وإن كانت نسبة كل الموجودات إلى علم الله تعالى مثل نسبة لا شيء إلى شيء لا نهاية له، وعليه فلا يطمع بالعقل بلوغ علم كان موجودا قبل الكون وقبل القبل، وهو سبب لوجود الموجودات ومحيط بالكل. ولذلك قال: “الله تعالى فوق العقل ومحيط بالعقل، وكيف يتصور أن يحيط العقل به وبصفاته التي لا هي عين الذات ولا غيرها 7، وإحاطة الجزء بالكل في غاية البعد، والعقل ذرة من ذرات الموجود الحاصل منه؟” 8.

–         وظيفة العقل الأصلية هي إدراك الأوليات التي لا يحتاج فيها إلى مقدمات، وليست هي مجرد الاستدلال على الموجودات، وإنما استعمل العقل لذلك انحجابا عن الطور الذي يعلوه، ومثاله أن العقل قادر على إدراك معنى القليل والكثير في العدد، ولكنه لا يدرك الكثير المطلق الذي لا أكثر منه، ولا القليل المطلق الذي لا أقل منه. وحتى إن كان العقل ميزانا صحيحا وحَكما عدلا، فإنه مع ذلك “إذا طمع العاقل أن يزن به كل شيء حتى أمور الآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفت الأزلية، كان ذلك طمعا منه في محال” 9.

طالع أيضا  ذ. الزوير يُشركنا معه في قراءة كتاب "التاريخ الجديد"

–         من خواص الطور ما بعد العقل أنه يورث عند صاحبه لذة الشوق إلى ربه وطلب وجهه، على خلاف طور العقل الذي لا تتعدى لذته لذة إدراك مسألة حسابية، أي أن “من أدرك وجود الحق من طريق المقدمات العقلية فلا يلزم إدراكه الشوق الذي يلزم العارف، وإنما يلتذ العقل بإدراكه من حيث أنه معلوم فقط” 10.

–         الإيمان بالنبوة هو اعتراف ضمني بوجود طور وراء العقل، وإن لم يصدق الناظر بهذا الطور فهو لا يؤمن بالنبوة أصلا، إذ الإيمان بالنبوة إيمان بالغيب الذي لا يحضر لإدراك العقل.

–         السالك إلى ربه، المريد لوجهه، المتشوق إلى معرفته، مطالَبٌ بتصفية الباطن ومصاحبة أهل الذوق ومجالستهم، ومتابعة أهل المعرفة، وملازمة أهل الكمال العلمي، والجد في الطلب، “فمن طلب وجدَّ وجد” 11، مع عدم الاغترار بتحصيل العلم أو العجب ببضاعة العقل. فعلم العقل وإن كان يوصل إلى علم اليقين فهو محجوب عن عين اليقين وحق اليقين.


[1] الهمذاني، عين القضاة. زبدة الحقائق، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2007م، ص 3.
[2] المرجع نفسه، ص 4.
[3] المرجع نفسه، ص 6.
[4] المرجع نفسه، ص 13.
[5] المرجع نفسه، ص 20.
[6] المرجع نفسه، ص 52.
[7] المرجع نفسه، ص 36-39.
[8] المرجع نفسه، ص 25.
[9] المرجع نفسه، ص 92.
[10] المرجع نفسه، ص 30.
[11] المرجع نفسه، ص 87.