من خطورة كثرة المصائب والمآسي أن يتبلد الحس فينسى العبد بعض السنن التي جعلها الله عزوجل مناسبة للعبرة والموعظة، ومن أعظم ما يعتبر به الإنسان؛ الموت، فقد جاء في الأثر: “كفى بالموت واعظا”.

ولعل الأمر استفحل مع جائحة كورونا حتى كاد الحس الجماعي أن يطبع مع الموت، من فرط المشاهد اليومية التي يقذف بها الإعلام: إحصائيات يومية عن الآلاف من المصابين، ضمنهم الآلاف ممن انتقلوا إلى الدار الآخرة، فانطمس المعنى في تراب الغفلة، وضاعت العبرة في ركام التركيز على ما هو تقني كالحديث عن الأعداد، وعن خريطة الوباء، وعن الترتيب العالمي أو الإقليمي لكل بلد… حتى لكأنك تستشعر برودة في العواطف إلا ما كان من الدائرة القريبة من أهل الفقيد، والأخطر هو أن تنام عين الظالم نومة هنيئة وهو يعلم أن ضمن من انتقلوا للدار الآخرة، من لهم مظلمة في عنقه، نام وعين الله لم تنم.

مناسبة هذا الكلام وفاة الأخت الفاضلة حفيظة كرم يوم الخميس 17 شتنبر 2020، بعد حادثة سير تعرضت لها قبل أسابيع قليلة، صحبة زوجها وأبنائها، ويشاء القدر أن يمد في عمر الزوج والأبناء، أسأل الله عز وجل لهم طول العمر مع دوام الصحة والعافية، وتقتضي الحكمة الربانية أن تلتحق الأخت المجاهدة بركب المؤمنين والمؤمنات في دار البقاء، أسأل الله عز وجل أن يرفع مقامها ويسكنها في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

من أول ما جال في خاطري وأنا أتلقى الخبر/ الفاجعة، إلى جانب الإحساس بالحزن والألم الذي لايخفف من وقعه إلا الرضى بقضاء الله وقدره لفقدان امرأة مؤمنة مجاهدة، هو ما تعرضت له من ترسيب ظالم هي وكوكبة من إخوانها وأخواتها، خاصة ممن لهم انتماء إلى جماعة العدل والإحسان، فيما عرف إعلاميا بملف “الأساتذة المرسبين” لا لشيئ إلا انتقاما من صمودهم البطولي إلى جانب الأساتذة المتدربين في معركة التصدي للمرسوم المشؤوم الذي فصل التكوين عن التوظيف قصد تمهيد الطريق أمام التعاقد، الذي لازالت كل الأفواج تعبر عن رفضها له منذ فوج 2016، وإن كان الاسم قد خفف بطلاء “موظفي الأكاديميات” مراعاة لجناية المصطلحات.

قلت إن من أول ما تداعى لخاطري وهيمن على شعوري للحظات هو نفسية ومسير ومصير من ظلمها، ممن حرض عليها وعلى أمثالها، ومن لفق التقارير زورا، ومن وقع على القرار، ومن خرج للإعلام لتبرير ما اتخذ في حقها وحق زميلاتها وزملائها، وهو يعلم يقينا أنه مجرد آلة نفخ طيعة في جوقة الظالمين… خاصة وقد ضاعت من الظالم فسحة التماس العفو وطلب الصفح أو كليهما مع رد المظلمة بعد أن انتقلت صاحبة الحق إلى دار القرار.

فالظلم هو المدخل القريب للإفلاس بالمعني النبوي، قال صلى الله عليه وسلم: “أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار”.

معشر العقلاء، إياكم والظلم فإنه ظلمات يوم القيامة.