استهل الأستاذ المصطفى حمور حلقة الجمعة، من برنامج “تذكرة الجمعة” الذي تبثه قناة الشاهد الإلكترونية بواقعة مرور أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه بِسُوقِ الْمَدِينَةِ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: “يَا أَهْلَ السُّوقِ، مَا أَعْجَزَكُمْ! قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟! قَالَ: ذَاكَ مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقْسَمُ، وَأَنْتُمْ هَا هُنَا لا تَذْهَبُونَ فَتَأَخُذُونَ نَصِيبَكُمْ مِنْهُ؟! قَالُوا: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي الْمَسْجِدِ. فَخَرَجُوا سِرَاعًا إلى الْمَسْجِدِ، وَوَقَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَهُمْ حَتَّى رَجَعُوا، فَقَالَ لَهُمْ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَلَمْ نَرَ فِيهِ شَيْئًا يُقْسَمُ. فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدًا؟ قَالُوا: بَلَى، رَأَيْنَا قَوْمًا يُصَلُّونَ، وَقَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَقَوْمًا يَتَذَاكَرُونَ الْحَلالَ وَالْحَرَامَ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَيْحَكُمْ، فَذَاكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم”.

وعلق حمور على هذا الكلام بقوله “ما أحوجنا أخواني أخواتي إلى نداءات مثل نداء أبي هريرة يدفعوننا إلى مجالس الخير والإيمان ويرجعوننا إلى الأصول. خاصة في زماننا هذا وقد هجمت علينا أسواق وليس سوقا واحدا”، أسواق حضارة الأشياء الدوابية المميتة، والاستهلاك والتنافس والإعلام الفاحش والماجن وضربت الغفلة بكلكلها على الأمة الإسلامية وانتشر الفساد والإفساد وظلم العباد.

وأوضح حمور أن الأمة حيال هذه الحال، تحتاج إلى ناصحين يذكرونها بالميراث النبوي أمثال أبي هريرة وبضرورة التكتل والتعاون على طاعة الله وإحياء معاني المواساة والاحتضان والانجماع عليه سبحانه، والاجتماع على الدين كي تواجه هذيان النفوس حتى تستسلم لله تعالي وتوجه العالم الملعون وهجمته الشرسة على القيم والأخلاق وكرامة الإنسان.

اعتبر المتحدث أن صحبة الصالحـين ومجالسة المؤمنين والانغراس في محاضن التربية؛ “شرط من شروط قلع جذور الفتنة من القلوب أفرادا واجتثاث شجرة الفساد والاستبداد أمة”.

طالع أيضا  الأستاذ فتحي يقف على صفة "الكرم" في "تذكرة الجمعة"

فضل مجالس الإيمان وأهميتها

وفي حديث الأستاذ حمور عن فضل المجالس، أورد عددا كبيرا من الأحاديث منها حديث سهل بن عبد الله بن حنيف رضي الله عنه قال فيه: «نزلَتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية، فخرج يلتمسهم. فوجد قوما يذكرون الله تعالى ويتطارحون العلم، منْهم ثائر الرأس وجافُّ الجلد وذو الثوب الواحد. فلما رآهم جلس معهم وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم».

وقال حمور إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب المثل بنفسه لحضور مجالس الخير كما كان يحض ويحفز ويبين جوائز الارتماء فيها. مشيرا إلى الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده.».

ولفت حمور إلى أن الله خص ملائكة لهم مهمة واحدة وهي التماس مجالس الذكر، كما أخبر بذلك الحبيب صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الذي رواه الشيخان رحمهما الله وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: «إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إلى حَاجَتِكُمْ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» الحديث. وفيه كيف ترفع الملائكة خبر الذاكرين إلى المولى العلي العليم وهو أعلم بهم، وكيف يسائلهم الحق جل وعلا في شأن عباده الذاكرين. أي احتفال هذا وأي شرف أن تسعى الملائكة في الأرض في طلبة عزيزة فلا يجدون حاجتهم إلا عند الجالسين للذكر! وأي شرف أن يخاطب الخالق عز وجل ملائكته خطابا طويلا في شأن الذاكرين! لا شك أنهم المحبوبون المفرِّدون المستهترون مجانين ذكر الله وحب الله. طوبى! ثم طوبى! ثم طوبى لمن صدق وعمل ثم احتسب!

طالع أيضا  تذكرة الجمعة.. د. حساني: إخراج الزكاة مرتبط بالنِصَاب "لكن الصدقة يخرجها من يملك الكثير أو القليل"

وأورد كذلك ما روى الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمر النبي ﷺ فكفوا. فقال: «ما كنتم تقولون؟» قلنا: نذكر الله. قال: «إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها». ثم قال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر معهم». وذلك قوله تعالى لحبيبه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وفي هذا الحديث نلتقي بمبادئ السلوك وأركانهِ: المعيةُ والجماعة ودوام الذكر بالغداة والعشي مع صحة الإرادة وسموِّها وتجرّدها وتعلقها بوجه الله عز وجل فوق كل إرادات الدني، يضيف صاحب التذكرة.

وتابع قائلا: “كانت حِلقُ الذكر على عهد رسول الله ﷺ سنة ثابتة ثبوت كتائب الجهاد، مقدسة قدسيَّتَها. فلما انفرط عقد الأمة، واختصم السلطان والقرآن، وأخذت عرى الإسلام تنتقض عُروةً عروةً غشي حلق الذكر بعضُ الخمول، لكنها بقيت على العموم رُكنا نيِّراً عاش فيه الصالحون يناجون ربهم ويستروحون الرحمة الموعودة للذاكرين في الحِلق”.

المقصود بمجالس الإيمان

في تحديده لهذه قال “إن المجالس التي نريد أن نحييها هي تلك المجالس التي تشحن القلوب وتشحذ الإرادات وتسمو لمعرفة الله تعالى، ونتعلم فيها العلم النافع المنشئ للعمل الصالح، ومجالس نتعلم فيها كيف ننهض بأمتنا نحو الكرامة والشهود الحضاري وقيادة العالم نحو السلم والسكينة والسعادة والتعاون على الخير”.

وخاطب أهل مجالس الذكر والعلم والإيمان بما قاله الناظم:

بمَجلسـكم حفت مـــلائكـة الـربِّ ويُتلى اسْمُكم بالمدح في ملإ القُرْبِ

أيـا ذاكــــــرين الله فـــزتــــم وطبتم بذا جاءت الأخبــار في مُحكم الكُتْبِ

ويـغشـــاكُــــمُ واللـه روح سكـينــة كما بشَّر المختـار من نسَــب العرب

عليــــــه صـــــلاة الله ثـم سلامـه وللآل من تلك الصلاة وللصحـب

 

 

طالع أيضا  حسن قبيبش يُذكِّرُ بعظمة التوبة